آخر كلمات القَرَّاء الضرير

             شعر/ أ.د: جابر قميحة

  في منطقة (تل الخرابنة) بجنوب مصر عُثِر سنة 1928م في قبوٍ على مجموعة من الأوراق البردية، وعددها 52 مكتوبة بلغةٍ مركَّبة من الهيروغليوفية والآرامية القديمة، منسوبة إلى (حاموتاب) القَرَّاء الضرير، وأقدِّم ترجمةً شعرية للورقة رقم 52.

 

 

 

(1)

يا أفق الوطن المسكين

ماذا في غدك المكنون؟

دعني أهتك عنك

ضباب كتابك حتى أشهد

يا لله!

إني لا أشهد غير سوادٍ ملعون

وشبابٍ مهزوم النخوة

مهتوك العزم

وحطامٍ كالعصف الذاوي

من شجر التين المحروق

وغصونِ الزيتون البالي

وبقايا راكدةٍ من ماءٍ وعيون

وقوافلَ من فلكٍ مشحون

تحمل للشعب المحروم

شحنة "بانجو" وهيروين

 

(2)

إني أسمع عصف الريح الصَّرصرْ

تعوي في الوطن المفجوع

 وتزأر

يَهْدم ويدمر

يجتاحُ اليابسَ والأخضر

 

(3)

ما كانت هذي بالرؤيا

بل أشهدُ ذلك رأيَ العين

وأرى أيضًا بقرات سبعًا

عجفاوات سودًا

ينزفن دماءً وصديدًا

يأكلن سمينات من

أبقارٍ.. ألفٍ.. بل مليونْ

وأرى كل سنابل أرض النهر

تجف.. وتيْبَسُ ثم تَهاوَى

لتكون طعامًا للدود المنكود

 

(4)

وأرى الطوفانَ العارِم قادمْ

بسيول عاتيةٍ سوداء

ليست من ماء

بل من قَيءٍ.. وصديدٍ

ودماءْ..

فإذا ما حُمَّ اليومُ الأسودُ

فاحذر أن تسأل- يا

ولدي الطيب- عن نوح

وسفينة نوحْ

أو عن جبلٍ يحميك

ويعْصمكَ من اللُّجَجِ

السوداءِ.. الحمراءْ

أو عن قطعة ضوءٍ

تستهديها في الظلماء

أو عن نوحٍ وسفينته

فسفينة نوحٍ..

صادرها "الأمنُ الليلي"

وزوارُ الفَجرْ

في صمت.. فكوها..

باعوها لَوْحًا لوحا

مسمارًا.. مسمارا

للملِك "اليأجوج"

باعوها بالدولار.. وبالدينار

وبالويسكي المستورد والكفيار

وأجوس خلال الجوديّ..

فيا بؤس الجوديِّ الأخضر

مَرسى نوحٍ.. وسفينته

وحمائمه.. وصحابته

جعلوه "منطقة حرة"

"منطقة الجودي الحرة

للتهليب.. وللتهريبْ"

 

(5)

فلتلزم تابوت الصمت

ولتحذر أن تهتف

في غدك المفجوع العاني

"يا يوسف فلتأت إلينا..

يا يوسف لا تبعد عنا"

يوسف صدِّيقٌ يا ولدي

ولذلك يأبى أن يتولى

أمرَ خزائنِ وطنٍ منهوبٍ

مطحونْ..

ليكون عليها خيرَ أمينْ

يوسف هاجر للصحراءْ

آثر أن يرجع للجبِّ المعزول

هناكْ

فخزائن هذا الوطنِ المطحونِ

تولاها حرَّاس الوطن

من العسكر

شطارِ المنسر

 

(6)

وأرى في سِفْر الوطنِ المكنونِ

الطفلَ الأخضرَ

نَبْتَ الوطنِ العاني

إما مفقودًا.. أو مغتصبا

أو موْءودا

إذ يأتي يومٌ يا ولدي..

يتشبث فيه بثدي الأم

يعتصر بفكيه الحلَمة

يستجديها نقطةَ لبنٍ

هاربةً في أعماق الصدر

لكي تنقذه

من جوع ساعرْ

لكنَّ الحلمةَ لا تسعفه

إلا بنقاط من دمْ

يتلوها قيْءٌ وعدمْ

فالعسكر- في نهم كافر-

امتصوا حتى لبن الأمِّ

فلما شبعوا

خنقوها في ليلٍ دامٍ

أما الطفل..

فقد وأدوه بقاعِ النهرْ

 

(7)

وأرى ألسنة الصفوة

من أحرار الناس ستُقطعْ

وعيون الأطهار ستُقلعْ

لتكون قلائد وعقودا

وأساور تُهدَى

"لِسالومى"

راقصةِ الملكِ اليأجوجْ

 

(8)

والكلمةْ..

يا ويلَ الكلمة

ستُراق دماها ليل نهارْ

كي تَروي بستان "سالومى"

ولِتَروِيَ أرض "اليأجوج"

المنهوبة من "أرض النهرْ"

 

(9)

وستشهد كل فجاج الأرض

تضيقُ.. تضيقُ بما رحُبت

حتى يتخذ الأحياءُ

قبورَ الأمواتِ مساكنْ

بل يغدو الموت- بلا ألمٍ-

حلمَ الأحلامْ..

يطلبه الناس صباح مساء

"بحق البؤس

وحق الذل

تعالَ.. تعال"

فلا يأتي

حتى الأيام- وصدقني-

ستحاول أن تنتحر فلا تقدرْ

تنتحر لتخلص من عارٍ

موهومٍ.. كاذبْ

ألصقه فيها الأفاقون

الأفاكون

إذ قالوا:

"عار الأيام

ظلم الأيام

غدر الأيام"

مع أن الأيام من العار بريئةْ

والحقَّ أقول:

العار الداعر فيمن سبوا الأيام

فيمن شحنوا الزمن الناصعَ

بمخازيهم.. هربًا منها

فيمن قالوا:

ليس العدل أساس الملك

فيمن قالوا:

"إن الملكَ بديلُ العدل.. وفوق العدل"

فيمن تخذوا الجبن فضيلة

فيمن جعلوا الطهر جريمة

أما الصدق فشر رذيلة

فيمن قصفوا عنق الكلمة

وبغدر قد غالوا الشمس

وانتزعوا روح المستقبل

وانتهكوا الحاضر والأمسْ

 

(10)

وأرى "سالومَى" والمنسرْ

في رقصة عُهْر مجنون

تسكرهم أنخابٌ شتَّى

من خمر ضارٍ.. ودماءْ

في مأتم شعب مطحونْ

في أرض النهر المحزونْ

 

(11)

يا ولدي الطيب معذرةً

فالرؤية قد تاهتْ مني

والسحب الدامية السوداءْ

تمطر جمرًا وسكاكينْ

تطوى كل حطام باقٍ

من ماء وعيونْ

وجذور التين أو الزيتون

وأحسُّ بنبضي الذاوي

في قلبي المطعونْ

يأسره الصمت الأبديُّ

فأعجزُ عن أن استقرئ

باقية باكية

    من سِفْر الوطن المكنونْ

 

لا تصالحْ!

شعر/ أمل دنقل

    القصيدة ذائعة الصيت التي استوحى فيها الشاعر قصة حرب البسوس وقد جاءت في إطار انتقاده مساعي السلام المصري الإسرائيلي

    لا تصالحْ!
    ..ولو منحوك الذهب
    أترى حين أفقأ عينيك
    ثم أثبت جوهرتين مكانهما..
    هل ترى..؟
    هي أشياء لا تشترى..:
    ذكريات الطفولة بين أخيك وبينك،
    حسُّكما - فجأةً - بالرجولةِ،
    هذا الحياء الذي يكبت الشوق.. حين تعانقُهُ،
    الصمتُ - مبتسمين - لتأنيب أمكما..
    وكأنكما
    ما تزالان طفلين!
    تلك الطمأنينة الأبدية بينكما:
    أنَّ سيفانِ سيفَكَ..
    صوتانِ صوتَكَ
    أنك إن متَّ:
    للبيت ربٌّ
    وللطفل أبْ
    هل يصير دمي -بين عينيك- ماءً؟
    أتنسى ردائي الملطَّخَ بالدماء..
    تلبس -فوق دمائي- ثيابًا مطرَّزَةً بالقصب؟
    إنها الحربُ!
    قد تثقل القلبَ..
    لكن خلفك عار العرب
    لا تصالحْ..
    ولا تتوخَّ الهرب!
     (2)
   
لا تصالح على الدم.. حتى بدم!
    لا تصالح! ولو قيل رأس برأسٍ
    أكلُّ الرؤوس سواءٌ؟
    أقلب الغريب كقلب أخيك؟!
    أعيناه عينا أخيك؟!
    وهل تتساوى يدٌ.. سيفها كان لك
    بيدٍ سيفها أثْكَلك؟
    سيقولون:
    جئناك كي تحقن الدم..
    جئناك. كن -يا أمير- الحكم
    سيقولون:
    ها نحن أبناء عم.
    قل لهم: إنهم لم يراعوا العمومة فيمن هلك
    واغرس السيفَ في جبهة الصحراء
    إلى أن يجيب العدم
    إنني كنت لك
    فارسًا،
    وأخًا،
    وأبًا،
    ومَلِك!
     (3)
   
لا تصالح ..
    ولو حرمتك الرقاد
    صرخاتُ الندامة
    وتذكَّر..
     (إذا لان قلبك للنسوة اللابسات السواد ولأطفالهن الذين تخاصمهم الابتسامة)
    أن بنتَ أخيك "اليمامة"
    زهرةٌ تتسربل -في سنوات الصبا-
    بثياب الحداد
    كنتُ، إن عدتُ:
    تعدو على دَرَجِ القصر،
    تمسك ساقيَّ عند نزولي..
    فأرفعها -وهي ضاحكةٌ-
    فوق ظهر الجواد
    ها هي الآن.. صامتةٌ
    حرمتها يدُ الغدر:
    من كلمات أبيها،
    ارتداءِ الثياب الجديدةِ
    من أن يكون لها -ذات يوم- أخٌ!
    من أبٍ يتبسَّم في عرسها..
    وتعود إليه إذا الزوجُ أغضبها..
    وإذا زارها.. يتسابق أحفادُه نحو أحضانه،
    لينالوا الهدايا..
    ويلهوا بلحيته (وهو مستسلمٌ)
    ويشدُّوا العمامة..
    لا تصالح!
    فما ذنب تلك اليمامة
    لترى العشَّ محترقًا.. فجأةً،
    وهي تجلس فوق الرماد؟!
     (4)
   
لا تصالح
    ولو توَّجوك بتاج الإمارة
    كيف تخطو على جثة ابن أبيكَ..؟
    وكيف تصير المليكَ..
    على أوجهِ البهجة المستعارة؟
    كيف تنظر في يد من صافحوك..
    فلا تبصر الدم..
    في كل كف؟
    إن سهمًا أتاني من الخلف..
    سوف يجيئك من ألف خلف
    فالدم -الآن- صار وسامًا وشارة
    لا تصالح،
    ولو توَّجوك بتاج الإمارة
    إن عرشَك: سيفٌ
    وسيفك: زيفٌ
    إذا لم تزنْ -بذؤابته- لحظاتِ الشرف
    واستطبت- الترف
     (5)
   
لا تصالح
    ولو قال من مال عند الصدامْ
    ".. ما بنا طاقة لامتشاق الحسام.."
    عندما يملأ الحق قلبك:
    تندلع النار إن تتنفَّسْ
    ولسانُ الخيانة يخرس
    لا تصالح
    ولو قيل ما قيل من كلمات السلام
    كيف تستنشق الرئتان النسيم المدنَّس؟
    كيف تنظر في عيني امرأة..
    أنت تعرف أنك لا تستطيع حمايتها؟
    كيف تصبح فارسها في الغرام؟
    كيف ترجو غدًا.. لوليد ينام
    -كيف تحلم أو تتغنى بمستقبلٍ لغلام
    وهو يكبر -بين يديك- بقلب مُنكَّس؟
    لا تصالح
    ولا تقتسم مع من قتلوك الطعام
    وارْوِ قلبك بالدم..
    واروِ التراب المقدَّس..
    واروِ أسلافَكَ الراقدين..
    إلى أن تردَّ عليك العظام!
     (6)
   
لا تصالح
    ولو ناشدتك القبيلة
    باسم حزن "الجليلة"
    أن تسوق الدهاءَ
    وتُبدي -لمن قصدوك- القبول
    سيقولون:
    ها أنت تطلب ثأرًا يطول
    فخذ -الآن- ما تستطيع:
    قليلاً من الحق..
    في هذه السنوات القليلة
    إنه ليس ثأرك وحدك،
    لكنه ثأر جيلٍ فجيل
    وغدًا..
    سوف يولد من يلبس الدرع كاملةً،
    يوقد النار شاملةً،
    يطلب الثأرَ،
    يستولد الحقَّ،
    من أَضْلُع المستحيل
    لا تصالح
    ولو قيل إن التصالح حيلة
    إنه الثأرُ
    تبهتُ شعلته في الضلوع..
    إذا ما توالت عليها الفصول..
    ثم تبقى يد العار مرسومة (بأصابعها الخمس)
    فوق الجباهِ الذليلة!
     (7)
   
لا تصالحْ، ولو حذَّرتْك النجوم
    ورمى لك كهَّانُها بالنبأ..
    كنت أغفر لو أنني متُّ..
    ما بين خيط الصواب وخيط الخطأ.
    لم أكن غازيًا،
    لم أكن أتسلل قرب مضاربهم
    أو أحوم وراء التخوم
    لم أمد يدًا لثمار الكروم
    أرض بستانِهم لم أطأ
    لم يصح قاتلي بي: "انتبه"!
    كان يمشي معي..
    ثم صافحني..
    ثم سار قليلاً
    ولكنه في الغصون اختبأ!
    فجأةً:
    ثقبتني قشعريرة بين ضعلين..
    واهتزَّ قلبي -كفقاعة- وانفثأ!
    وتحاملتُ، حتى احتملت على ساعديَّ
    فرأيتُ: ابن عمي الزنيم
    واقفًا يتشفَّى بوجه لئيم
    لم يكن في يدي حربةٌ
    أو سلاح قديم،
    لم يكن غير غيظي الذي يتشكَّى الظمأ
     (8)
   
لا تصالحُ..
    إلى أن يعود الوجود لدورته الدائرة:
    النجوم.. لميقاتها
    والطيور.. لأصواتها
    والرمال.. لذراتها
    والقتيل لطفلته الناظرة
    كل شيء تحطم في لحظة عابرة:
    الصبا - بهجةُ الأهل - صوتُ الحصان - التعرفُ بالضيف - همهمةُ القلب حين يرى برعماً في الحديقة يذوي - الصلاةُ لكي ينزل المطر الموسميُّ - مراوغة القلب حين يرى طائر الموتِ

    وهو يرفرف فوق المبارزة الكاسرة
    كلُّ شيءٍ تحطَّم في نزوةٍ فاجرة
    والذي اغتالني: ليس ربًا..
    ليقتلني بمشيئته
    ليس أنبل مني.. ليقتلني بسكينته
    ليس أمهر مني.. ليقتلني باستدارتِهِ الماكرة
    لا تصالحْ
    فما الصلح إلا معاهدةٌ بين ندَّينْ..
     (في شرف القلب)
    لا تُنتقَصْ
    والذي اغتالني مَحضُ لصْ
    سرق الأرض من بين عينيَّ
    والصمت يطلقُ ضحكته الساخرة!
     (9)
   
لا تصالح
    فليس سوى أن تريد
    أنت فارسُ هذا الزمان الوحيد
    وسواك.. المسوخ!
     (10)
   
لا تصالحْ
    لا تصالحْ

 

     الأدلّـة !


شعر/ أحمد مطر

   
 

   الموتُ لَهُ بالمِرصـادْ :
    هَـدأةُ فَـخٍّ ،
    رَعْشَـةُ حَبْـلٍ ،
    شَهْقَةُ قَوسٍ ،
    رَعْـدُ زِنـادْ .
    إن طارَ إلى أعلى جَبَـلٍ
    أو غارَ إلى أسـفَلِ وادْ
    سَـوفَ يُبـادْ .
             **
    - هُـوَ شُـوهِدَ يَلتَقِطُ الزّادْ !
    - ويَطيـرُ إلى حيثُ أرادْ !
    - وَيَحُـطُّ لِيَنظِـمَ أعشاشـًا !
    - ويُمارِسُ فَـنَّ الإنشـادْ !
    كُـلُّ أفاعيـلِ العُصفـورْ
    شـاهِدَةٌ أنَّ المَذكـورْ
    قـامَ بإرهـابِ الصَيَّـادْ !
            **
    أيُّ بِـلادْ
    تَجـرؤُ أن تَضَـعَ الأصفـادْ
    أو تَنفـيَ جُـرْمَ الإفسـادْ
    عَـن مُتَّهَمٍ بِبَـراءتِه
    في هـذا الزّمَـنِ القَـوّادْ ؟!

شباب الإسلام

 شعر/ هاشم الرفاعي 

 القصيدة التي أبدعها الشاعر الشهيد هاشم الرفاعي لتصبح نشيدا يردده الشباب المسلم في كل مكان ، وقد صدح بها المطرب السوري أبو مازن - رضي الله عنهم أجمعين.

 
مَـلـكنـا  هـذهِ الدنيا قُرونـاً
وأخـضَـعَها جدودٌ iiخالـدونـا
وسـطَّـرنـا  صحائفَ من ضياءٍ
فـمـا  نسيَ  الزمانُ ولا iiنسينـا
حـمـلنـاهـا سيوفاً iiلامعـاتٍ
غـداةَ  الـروعِ تـأبـى أنْ iiتلينا
إذا خـرجَـتْ مـن الأغمادِ يوماً
رأيـتَ الـهـولَ والفتحَ iiالمبينـا
وكـنُّـا  حـيـنَ يرمينـا iiأناسٌ
نُـؤدِّبـهـمْ أبـاةً iiقـادريـنـا
وكـنَّـا  حـيـنَ  يأخُذنـا ولي
بـطـغـيانٍ ندوسُ لـهُ iiالجبينـا
تـفـيـضُ  قُلوبُنا بالهديِ iiبأسـاً
فـمـا نُـغضي عن الظلمِ iiالجُفونا
ومـا  فـتـئَ الزمانُ يدور iiحتى
مـضـى  بـالمجدِ  قومٌ iiآخرونـا
وأصـبحَ لا يُرى في الركبِ iiقومي
وقـد  عـاشـوا أئِـمَّتَهُ سنينـا
وآلـمـنـي وآلـمَ كـلِّ حـرٍّ
سـؤالُ  الـدهرِ: أين المسلمونا ii؟
تُـرى  هـل يـرجـعُ الماضي ii؟
فـإنـي أذوبُ لذلكَ الماضي حنينا
بَـنَينا  حقبةً فـي الأرض iiمُلكـاً
يـدعِّـمـهُ شـبـابٌ طامحُونـا
شـبـابٌ  ذَلَّـلوا  سُبـلَ iiالمَعالي
ومـا  عَـرفوا سوى الإسلامِ iiدينا
تَـعَهَّدَهـمْ فـأنبتهمْ نباتـاً كريماً
طـابَ  فـي الـدنـيـا iiغَصونا
هـمُ وردوا الـحـياضَ مباركاتٍ
فـسـالتْ  عندَهمْ مـاءً iiمَعـينا
إذا  شـهِـدوا الوغى كانوا iiكُماةً
يـدكُّـونَ الـمـعاقلَ iiوالحُصونا
وإنْ جـنَّ الـمـسـاءُ فلا تراهم
مـن  الإشـفـاقِ إلا ساجِدينـا
شـبـابٌ  لـمْ  تُـحطِّمهُ iiالليالي
ولـمْ يُـسـلِمْ إلى الخصمِ iiالعرينا
ولـم تـشـهدُهُمُ الأقداحُ يـوماً
وقـد مـلأوا نـواديـهم iiمُجونا
ومـا عـرفـوا الأغـاني iiمائعاتٍ
ولـكـنَّ الـعُـلا صِيغَتْ iiلُحونا
وقـد دانـوا بـأعـظَمِهِمْ نِضالا
وعـلـمًا،  لا  بـأجرِئِهمْ iiعيونا!
فـيـتَّـحدونَ  أخـلاقاً عِـذاباً
ويـأتـلـفُـون  مُجتمعـاً رزينا
فـمـا  عَـرَفَ  الخلاعَةَ في بناتٍ
ولا عَـرَف الـتـخـنُّثَ في بنينا
ولـم  يـتـشدَّقوا بقـشورِ علمٍ
ولـمْ  يـتـقيّبوا  فـي iiالمُلحدينا
ولـم يـتـبـجحوا في كلِّ أمـرٍ
خـطـيـرٍ كـيْ يقـالَ مثقفونا
كـذلـكَ  أخرجَ  الإسلامُ iiقومي
شـبـابـاً مُخلصاً حـرًّا iiأمـينا
وعـلَّـمـهُ الـكرامةَ كيف iiتُبنى
فـيـأبـى  أنْ يُقَّيدَ أو iiيـهونـا
دعـونـي  مـن أمـانٍ كاذباتٍ
فـلـم أجـدِ الـمُنى إلا ظُنونـا
وهـاتـوا لـي مـنَ الإيمانِ iiنوراً
وقَـوُّوا  بـيـنَ جـنبيَّ iiاليَقينـا
أمُـدُّ يـدي فـأنـتزعُ iiالرواسي
وأبـنِِ الـمـجـدَ مؤتلقاً مكينـا

 

حديث عصري إلى أبي أيوب الأنصاري

 شعر / أ.د: جابر قميحة

"ظل الصحابي الجليل أبو أيوب الأنصاري - رضي الله عنه - يجاهد في سبيل الله إلى أن دفن في استانبول . وقد ألقيتُ هذه القصيدة يوم 25/8/1993م في مؤتمر رابطة الأدب الإسلامي العالمية المنعقد في استانبول" بتركيا.

يـا  أبـا أيـوبَ والإسـلامُ قُـرْبـى iiوانْتسابُ
قـد أتـيـنـاك فـفـي الـلُّقيا اغتنامٌ 
iiواكتسابُ
نـتـمـلَّـى  أرض مـجدٍ يزدهي فيها 
iiالخطابُ
يـا  كـريمًا ضافَ خيرَ الرُّسْل، يا طِبْتَ وطابوا
نـاخـت  القصواءُ   في رحبك يا نِعْمَ 
iiالرحابُ
قـد قـصـدنـاك ضـيوفًا ولنا فيكمْ   رغابُ
نـيِّـراتُ الـقـصْـدِ لا مـنها طعامٌ أو 
iiشرابُ
أو هـوى لـيـلـى ولُـبْنَى، أو سعادٌ أو 
iiرَبابُ
إنـمـا  جـئـنـاك تـحـدُونا بطولاتٌ 
iiعُجابُ
ذكـريـاتٌ فـي فـمِ الـدنيا هي المسْكُ 
iiالمذَابُ
حين  كنتم بلْسمًا
    في  السلم  صَفْوًا  لا  iiيُشابُ
ولـكـم  فـي سـاحـةِ الـنـور بـنودٌ وقبابُ
وقـلـوبٌ  مـلْـؤهـا الـرحمةُ والحبُّ 
iiاللبابُ
***

فـإذا  مـا ظُـلِمَ البُرْهانُ أو غِيلَ     iiالصوابُ
هِـجْـتُـمُ الـهْـولَ، فَـلـلْـهولِ زفيرٌ 
iiولُهابُ
وإذا أنـتـم - حُـمـاةَ الـحـقِّ- آسادٌ غضابُ
رفـرفـتْ من فوقهمْ في  ساحةِ  الهول 
I iالعُقَابُ
وخـيـولُ الله تـمضِي، فهْيَ في السَّاحِ 
iiالجَوابُ
مـثـلما  السيلُ، لها في الحَزْنِ والسَّهْل 
iiانصبابُ
ولـهـا فـي سـاحـةِ الـنـصر ذهابٌ 
iiوإيابُ
وضُـبـاحٌ وصـهـيـلٌ، وصـلـيلٌ 
iiوضِرابُ
وحِـرابٌ  سـاعـراتٌ، فَـلْـتَـقُولي يا 
iiحِرابُ
وسـيـوفٌ، وحـتـوفٌ، وزحوفٌ، لا 
iiانسحابُ
وهـتـافُ  الـعـزةِ الـقَـعْساءِ يحدُوه السحابُ
والـمـنـايـا- لا الدنايا- هي للصَّحْبِ 
iiالطِّلابُ
خـالـدٌ فـيـهـم، وسـعـدٌ، والمثنَّى 
iiوالحُبَابُ
مِـنْ  دمـاهُمْ في نواصي الخيل عطرٌ 
iiوخِضابُ
لـم يـكـونـوا كجيوشٍ قطعوا الأرضَ 
iiوجابوا
مـا  هُـمُـو إلا شُـمُـوسٌ زاحفاتٌ أو 
iiهِضابُ
لـيـس يـثـنـيهمْ عن الزحفِ جبالٌ أو 
iiعُبابُ
فـهُـمُـو  لـلـمـوت هَـبُّوا، ونِدا الله 
iiأجابُوا
يـوم دكُّـوا الـفـرسَ والرومَ وما هانُوا 
iiوهابوا
فـإذا  الأعـداءُ - مـن رُعْـبٍ هباءٌ أو 
iiسرابُ
إنـه  الـمـسـلـمُ حـقًّـا سيفُ حقٍّ أو شِهابُ
فـي سـبـيـل الله يـحـيـا، لا نفاقٌ لا كِذابُ
مـصـحـفٌ  يـمشي , عليه من تقى الله 
iiثيابُ
سـيـفُـهُ  إن يَـبـغِ بـاغٍ هـو للباغي 
iiعِتابُ
هـكـذا  كـنـتـم - أبا أيوبَ والغرُّ 
iiالصحابُ
دررًا زانـتْ جـبـيـنَ الـدهْـرَ شِيبٌ وشبابُ
شـابَ فَـوْداكَ مـن الدهر وما في الشيبِ 
iiعابُ
لـم يـكـن يُـحْـسَـبُ بالسنِّ مشيبٌ أو 
iiشبابُ
لـيـسَ  بـالـشبانِ من هانُوا إذا حطَّت صِعابُ
وإذا الـشـيـخُ تـجلى فهْو في الحرب 
iiالشهابُ
ثـم طـال الأمـدُ الـمـنـكـودُ واهتزَّ الجَنَابُ
وغـدا  بـيـنَ قـلـوبِ الـقوم والدين 
iiحجابُ
ثـم  حـل الـوهْـنُ فـيهم وهوى الدنيا 
iiطلابُ
***

ثـم  جـئـنـاكَ ولـلـشـعـرِ نشيجٌ وانْتحابُ
بـقـلـوبٍ دامـيـاتٍ بـعْـدَ أن جلَّ 
iiالمُصابُ
مـن ديـار قـد تـغـشـاهـا ظـلامٌ 
iiوضَبَابُ
فـالـقـوانـيـنُ  انـتـهاكٌ وانتهاشٌ 
iiوانتهابُ
وسـجـونٌ وشـجـونٌ ودمـوعٌ واغـتـصابُ
وأنـا الـمـسْـلِمَ في أرضي لِيَ العُقبى 
iiاغترابُ
لـم يَـعُـد لـلـبـلبُلِ الغرِّيدِ في الدوْحِ 
iiرحابُ
واسـتـقـرتْ  فـي رحابِ الدوح بُومٌ 
iiوغرابُ
صَـوْتُـهُ فـيـهِ نـعـيـبٌ ونـعيقٌ 
iiمستطابُ
وعـلـى الـبُـلـبـلِ أن يمضي يُغَشِّيه 
iiالعذابُ
شـاردَ الـخطو، حبيسَ الشجْوِ تَقْلِيه   
iiالشعابُ
ويـنـادي  الأُفْـقَ : هـل للفجر من ليْلِكَ بابُ؟
فـإذا الأصـداءُ هـمٌّ وضـيـاعٌ 
iiواكـتِـئـابُ
إنـه لـيـلٌ كـثـيـفٌ مُجرمُ الظُّلْمَاتِ.. 
iiغابُ
ذو  عُـيـونٍ راصـداتٍ شَـرعُـها ظُفْرٌ 
iiونابُ
قُـوتُـهـا  الأعْـراضُ، أمَّـا دَمُنَا فَهْوَ 
iiالشرابُ
وبّـخـورُ الـزيـفِ دِيـنٌ والـنـفاقاتُ 
iiكتابُ
والـمـروءاتُ خـطـايـا، والـنَّذالات 
iiصوابُ
ويْـحَ قـلـبي - يا أبا أيوبَ - قد جُنَّ الحسابُ:
ألـفُ مـلـيـون بـلا قـدْرٍ ولا حتى الذبابُ!!
بـل غُـثـاءٌ كـغُـثـاءِ الـسـيْلِ بالنفخِ يُذابُ
وقـلـوبٌ مـن هـواء وحـنـايـاهُـمْ 
iiخرابُ
يـسـتـوي  مـنهم حُضورٌ في حماها أو 
iiغيابُ
لا  تـسَـلْـهُمْ عن غِضابٍ، لم يَعُدْ فيهم 
iiغضابُ
لا تَسِلْهُم عن عُضاب، ماتَ في الغِمْدِ   العُضابُ
والـخـيـولُ  الـجـردُ نامتْ في مآقيها 
iiالذبابُ
غـابـت  الـصَّـهْـوَاتُ منها وتغشاها 
iiالتُرابُ
أَنـعَـاجٌ  مـا أرى في  الساحِ  أمْ خيْلٌ  عِرابُ
أيـن سُـوَّاسُـك يـا من كنتِ في الهولِ 
iiتُهابُ؟
قـال ثـأرُ الله "لا تـسـألْ، فـقـد وَلًَّوا 
iiوذابوا
يـا لَـقَـومـي عن جهاد القوم قد صامُوا 
iiوتابوا
وأطـاعُـوا  مـن أضـلُّـوهم وأَغْروْهُمْ 
iiفخابُوا
"وأعِـدُّوا مـا اسـتـطـعـتم" قد تولاها الغيابُ
أم تـرى الأنـفالَ وا ذلاه لـم يَـحْـوِ 
iiالكتابُ؟
أوَ ديـنٌ غـيـرُ ديـنِ الله لُـحـمَـاهُ 
iiارتيابُ؟
وانـقـهـارٌ  وانـهـيارٌ وانصهارٌ واضطِرابُ؟
***

أنـا لم أَقْنطْ     ولكنْ  ضَلَّ في قومي iiالصوابُ
ويـقـيـنـي أنني بيني وبين النصْرِ 
I   iقابُ
إنـهـا  سُـنَّـةُ ربِّـي لـيـسَ تَـفْنَى يا ذئابُ
قـد  يـغـيـبُ الحقُّ يومًا   ثم يأتيه   الغلابُ

فـإذا  الـلـيـلُ تـمادى   فسيمْحُوهُ   انْجِيابُ
ويـشـقُّ  الأفْقَ سيفُ الفجرِ  والآيُ  
iiالعِذابُ
ويـعـودُ  الـبـلـبـلُ الـغِرَّيدُ، يا نِعْمَ 
I iالإيابُ
ويـعـود  الـدوحُ دَوْحًـا والـروابي 
iiوالشِّعابُ

 

ولد الهدى  

شعر / أحمد شوقي 

القصيدة الهمزية  التي أبدعها أمير الشعراء أحمد شوقي في مولد خير خلق الله محمد بن عبد الله

وقد صدحت بها أميرة الغناء العربي أم كلثوم.

وُلِدَ     الهُدى     فَالكائِناتُ    ضِياءُ
وَفَمُ      الزَمانِ      تَبَسُّمٌ     iiوَثَناءُ
الروحُ     وَالمَلأُ    المَلائِكُ    iiحَولَهُ
لِلدينِ      وَالدُنيا      بِهِ     iiبُشَراءُ
وَالعَرشُ   يَزهو  وَالحَظيرَةُ  iiتَزدَهي
وَالمُنتَهى      وَالسِدرَةُ      iiالعَصماءُ
وَحَديقَةُ    الفُرقانِ    ضاحِكَةُ   iiالرُّبا
بِالتُرجُمانِ         شَذِيَّةٌ        iiغَنّاءُ
وَالوَحيُ   يَقطُرُ   سَلسَلًا  مِن  iiسَلسَلٍ
وَاللَّوحُ     وَالقَلَمُ     البَديعُ    iiرُواءُ
نُظِمَت  أَسامي  الرُسْلِ  فَهيَ iiصَحيفَةٌ
في   اللَّوحِ   وَاسمُ   مُحَمَّدٍ   iiطُغَراءُ
اسمُ    الجَلالَةِ   في   بَديعِ   iiحُروفِهِ
أَلِفٌ    هُنالِكَ    وَاسمُ    طَهَ   iiالباءُ
يا   خَيرَ   مَن   جاءَ  الوُجودَ  iiتَحِيَّةً
مِن  مُرسَلينَ  إِلى  الهُدى  بِكَ iiجاؤوا
بَيتُ    النَبِيّينَ    الَّذي    لا   iiيَلتَقي
إِلّا      الحَنائِفُ     فيهِ     وَالحُنَفاءُ
خَيرُ    الأُبُوَّةِ    حازَهُمْ    لَكَ   iiآدَمٌ
دونَ     الأَنامِ    وَأَحرَزَت    iiحَوّاءُ
هُم   أَدرَكوا   عِزَّ   النُبُوَّةِ   iiوَانتَهَت
فيها      إِلَيكَ      العِزَّةُ     iiالقَعساءُ
خُلِقَت   لِبَيتِكَ   وَهوَ   مَخلوقٌ   iiلَها
إِنَّ     العَظائِمَ     كُفؤُها    iiالعُظَماءُ
بِكَ    بَشَّرَ    اللَهُ   السَماءَ   iiفَزُيِّنَت
وَتَضَوَّعَت    مِسكًا    بِكَ    iiالغَبراءُ
وَبَدا      مُحَيّاكَ     الَّذي     قَسَماتُهُ
حَقٌّ      وَغُرَّتُهُ     هُدًى     iiوَحَياءُ
وَعَلَيهِ    مِن   نورِ   النُبُوَّةِ   iiرَونَقٌ
وَمِنَ     الخَليلِ     وَهَديِهِ    iiسيماءُ
أَثنى   المَسيحُ   عَلَيهِ   خَلفَ  iiسَمائِهِ
وَتَهَلَّلَت       وَاهتَزَّتِ       iiالعَذراءُ
يَومٌ   يَتيهُ   عَلى   الزَمانِ   iiصَباحُهُ
وَمَساؤُهُ         بِمُحَمَّدٍ        iiوَضّاءُ
الحَقُّ    عالي   الرُّكْنِ   فيهِ   iiمُظَفَّرٌ
في   المُلكِ   لا   يَعلو   عَلَيهِ   لِواءُ
ذُعِرَت   عُروشُ  الظالِمينَ  iiفَزُلزِلَت
وَعَلَت     عَلى    تيجانِهِم    iiأَصداءُ
وَالنارُ    خاوِيَةُ    الجَوانِبِ   iiحَولَهُمْ
خَمَدَت    ذَوائِبُها    وَغاضَ    iiالماءُ
وَالآيُ    تَترى    وَالخَوارِقُ    iiجَمَّةٌ
جِبريلُ      رَوّاحٌ      بِها     iiغَدّاءُ
نِعمَ    اليَتيمُ   بَدَت   مَخايِلُ   iiفَضلِهِ
وَاليُتمُ     رِزقٌ     بَعضُهُ     iiوَذَكاءُ
في   المَهدِ   يُستَسقى  الحَيا  iiبِرَجائِهِ
وَبِقَصْدِهِ        تُستَدفَعُ        البَأساءُ
بِسِوى  الأَمانَةِ في الصِبا وَالصِدقِ iiلَم
يَعرِفْهُ    أَهلُ    الصِدقِ    iiوَالأُمَناءُ
يا  مَن  لَهُ  الأَخلاقُ  ما  تَهوى iiالعُلا
مِنها      وَما     يَتَعَشَّقُ     iiالكُبَراءُ
لَو   لَم   تُقِم   دينًا   لَقامَت   iiوَحدَها
دينًا      تُضيءُ     بِنورِهِ     iiالآناءُ
زانَتكَ   في   الخُلُقِ  العَظيمِ  iiشَمائِلٌ
يُغرى     بِهِنَّ     وَيولَعُ    iiالكُرَماءُ
أَمّا   الجَمالُ   فَأَنتَ   شَمسُ   سَمائِهِ
وَمَلاحَةُ     الصِدّيقِ     مِنكَ    iiأَياءُ
وَالحُسنُ   مِن  كَرَمِ  الوُجوهِ  iiوَخَيرُهُ
ما      أوتِيَ     القُوّادُ     وَالزُّعَماءُ
فَإِذا   سَخَوتَ  بَلَغتَ  بِالجودِ  iiالمَدى
وَفَعَلتَ    ما    لا    تَفعَلُ   iiالأَنواءُ
وَإِذا     عَفَوتَ     فَقادِرًا    iiوَمُقَدَّرًا
لا     يَستَهينُ     بِعَفوِكَ    iiالجُهَلاءُ
وَإِذا   رَحِمتَ   فَأَنتَ   أُمٌّ   أَو   أَبٌ
هَذانِ    في   الدُنيا   هُما   iiالرُحَماءُ
وَإِذا   غَضِبتَ   فَإِنَّما   هِيَ  iiغَضبَةٌ
في   الحَقِّ   لا  ضِغنٌ  وَلا  iiبَغضاءُ
وَإِذا   رَضيتَ   فَذاكَ  في  iiمَرضاتِهِ
وَرِضا     الكَثيرِ     تَحَلُّمٌ     وَرِياءُ
وَإِذا     خَطَبتَ     فَلِلمَنابِرِ     iiهِزَّةٌ
تَعرو     النَدِيَّ     وَلِلقُلوبِ    iiبُكاءُ
وَإِذا   قَضَيتَ   فَلا   ارتِيابَ   iiكَأَنَّما
جاءَ   الخُصومَ   مِنَ  السَّماءِ  iiقَضاءُ
وَإِذا   حَمَيتَ   الماءَ  لَم  يورَد  iiوَلَو
أَنَّ     القَياصِرَ    وَالمُلوكَ    iiظِماءُ
وَإِذا   أَجَرتَ   فَأَنتَ   بَيتُ  اللهِ  iiلَم
يَدخُل     عَلَيهِ    المُستَجيرَ    iiعَداءُ
وَإِذا   مَلَكتَ   النَفسَ   قُمتَ   iiبِبِرِّها
وَلَوَ   اَنَّ   ما   مَلَكَت   يَداكَ  iiالشاءُ
وَإِذا    بَنَيتَ   فَخَيرُ   زَوجٍ   عِشرَةً
وَإِذا     ابتَنَيتَ     فَدونَكَ     iiالآباءُ
وَإِذا   صَحِبتَ  رَأى  الوَفاءَ  iiمُجَسَّمًا
في    بُردِكَ   الأَصحابُ   iiوَالخُلَطاءُ
وَإِذا    أَخَذتَ   العَهدَ   أَو   iiأَعطَيتَهُ
فَجَميعُ      عَهدِكَ     ذِمَّةٌ     iiوَوَفاءُ
وَإِذا   مَشَيتَ   إِلى   العِدا  iiفَغَضَنفَرٌ
وَإِذا      جَرَيتَ     فَإِنَّكَ     iiالنَكباءُ
وَتَمُدُّ     حِلمَكَ     لِلسَّفيهِ     iiمُدارِيًا
حَتّى    يَضيقَ    بِعَرضِكَ   iiالسُّفَهاءُ
في   كُلِّ   نَفسٍ   مِن  سُطاكَ  مَهابَةٌ
وَلِكُلِّ    نَفسٍ    في    نَداكَ   iiرَجاءُ
وَالرَأيُ    لَم   يُنضَ   المُهَنَّدُ   iiدونَهُ
كَالسَيفِ   لَم   تَضرِب   بِهِ   iiالآراءُ
يأَيُّها      الأُمِّيُّ     حَسبُكَ     iiرُتبَةً
في   العِلمِ   أَن   دانَت  بِكَ  iiالعُلَماءُ
الذِكرُ    آيَةُ   رَبِّكَ   الكُبرى   iiالَّتي
فيها     لِباغي    المُعجِزاتِ    iiغَناءُ
صَدرُ   البَيانِ  لَهُ  إِذا  التَقَتِ  iiاللُّغى
وَتَقَدَّمَ        البُلَغاءُ       iiوَالفُصَحاءُ
نُسِخَت   بِهِ   التَوراةُ  وَهْيَ  iiوَضيئَةٌ
وَتَخَلَّفَ     الإِنجيلُ     وَهوَ    ذُكاءُ
لَمّا    تَمَشّى   في   الحِجازِ   iiحَكيمُهُ
فُضَّت    عُكاظُ    بِهِ   وَقامَ   iiحِراءُ
أَزرى     بِمَنطِقِ    أَهلِهِ    iiوَبَيانِهِمْ
وَحْيٌ     يُقَصِّرُ     دُونَهُ     iiالبُلَغاءُ
حَسَدوا   فَقالوا   شاعِرٌ   أَو   iiساحِرٌ
وَمِنَ    الحَسودِ    يَكونُ   الاستِهزاءُ
قَد   نالَ   بِالهادي   الكَريمِ  iiوَبِالهُدى
ما    لَم   تَنَل   مِن   سُؤدُدٍ   iiسيناءُ
أَمسى    كَأَنَّكَ    مِن    جَلالِكَ   أُمَّةٌ
وَكَأَنَّهُ       مِن      أُنسِهِ      iiبَيداءُ
يوحى    إِلَيكَ   الفَوزُ   في   ظُلُماتِهِ
مُتَتابِعًا      تُجلى     بِهِ     iiالظَلماءُ
دينٌ     يُشَيَّدُ     آيَةً     في     iiآيَةٍ
لَبِناتُهُ       السوراتُ       iiوَالأَدواءُ
الحَقُّ   فيهِ  هُوَ  الأَساسُ  وَكَيفَ  iiلا
وَاللهُ       جَلَّ      جَلالُهُ      البَنّاءُ
أَمّا   حَديثُكَ   في   العُقولِ   iiفَمَشرَعٌ
وَالعِلمُ     وَالحِكَمُ    الغَوالي    iiالماءُ
هُوَ   صِبغَةُ   الفُرقانِ   نَفحَةُ   قُدسِهِ
وَالسينُ     مِن    سَوراتِهِ    iiوَالراءُ
جَرَتِ   الفَصاحَةُ  مِن  يَنابيعِ  iiالنُّهى
مِن     دَوحِهِ     وَتَفَجَّرَ     iiالإِنشاءُ
في    بَحرِهِ    لِلسابِحينَ   بِهِ   iiعَلى
أَدَبِ     الحَياةِ     وَعِلمِها    iiإِرساءُ
أَتَتِ   الدُهورُ   عَلى   سُلافَتِهِ   iiوَلَم
تَفنَ    السُّلافُ   وَلا   سَلا   iiالنُدَماءُ
بِكَ   يا  بنَ  عَبدِ  اللهِ  قامَت  iiسَمحَةٌ
بِالحَقِّ    مِن    مَلَلِ   الهُدى   غَرّاءُ
بُنِيَت   عَلى   التَوحيدِ  وَهيَ  iiحَقيقَةٌ
نادى     بِها     سُقراطُ     iiوَالقُدَماءُ
وَجَدَ   الزُّعافَ   مِنَ  السُّمومِ  iiلِأَجلِها
كَالشَّهدِ      ثُمَّ     تَتابَعَ     iiالشُّهَداءُ
وَمَشى   عَلى  وَجهِ  الزَمانِ  iiبِنورِها
كُهّانُ     وادي     النيلِ    iiوَالعُرَفاءُ
إيزيسُ   ذاتُ  المُلكِ  حينَ  iiتَوَحَّدَت
أَخَذَت     قِوامَ    أُمورِها    iiالأَشياءُ
لَمّا    دَعَوتَ    الناسَ   لَبّى   iiعاقِلٌ
وَأَصَمَّ     مِنكَ     الجاهِلينَ     نِداءُ
أَبَوا   الخُروجَ   إِلَيكَ   مِن  iiأَوهامِهِمْ
وَالنَّاسُ     في    أَوهامِهِمْ    iiسُجَناءُ
وَمِنَ    العُقولِ    جَداوِلٌ    iiوَجَلامِدٌ
وَمِنَ     النُّفوسِ     حَرائِرٌ    iiوَإِماءُ
داءُ   الجَماعَةِ   مِن   أَرِسطاليسَ  لَم
يُوصَفْ    لَهُ    حَتّى   أَتَيتَ   iiدَواءُ
فَرَسَمتَ    بَعدَكَ    لِلعِبادِ    iiحُكومَةً
لا     سوقَةٌ     فيها    وَلا    iiأُمَراءُ
اللهُ    فَوقَ    الخَلقِ    فيها    iiوَحدَهُ
وَالناسُ     تَحتَ     لِوائِها     أَكفاءُ
وَالدينُ     يُسرٌ     وَالخِلافَةُ    iiبَيعَةٌ
وَالأَمرُ    شورى   وَالحُقوقُ   قَضاءُ
الإِشتِراكِيّونَ        أَنتَ       إِمامُهُمْ
لَولا     دَعاوى     القَومِ    وَالغُلَواءُ
داوَيتَ     مُتَّئِدًا     وَداوَوا    iiظَفرَةً
وَأَخَفُّ   مِن   بَعضِ   الدَواءِ   iiالداءُ
الحَربُ    في   حَقٍّ   لَدَيكَ   شَريعَةٌ
وَمِنَ     السُّمومِ    الناقِعاتِ    iiدَواءُ
وَالبِرُّ     عِندَكَ     ذِمَّةٌ    iiوَفَريضَةٌ
لا       مِنَّةٌ      مَمنونَةٌ      iiوَجَباءُ
جاءَت    فَوَحَّدَتِ    الزَكاةُ    iiسَبيلَهُ
حَتّى    التَقى    الكُرَماءُ    وَالبُخَلاءُ
أَنصَفَت  أَهلَ  الفَقرِ  مِن  أَهلِ iiالغِنى
فَالكُلُّ    في    حَقِّ    الحَياةِ   iiسَواءُ
فَلَوَ     اَنَّ     إِنسانًا    تَخَيَّرَ    iiمِلَّةً
ما    اختارَ    إِلّا    دينَكَ    iiالفُقَراءُ
يأَيُّها    المُسرى    بِهِ    شَرَفًا   إِلى
ما    لا   تَنالُ   الشَمسُ   iiوَالجَوزاءُ
يَتَساءَلونَ    وَأَنتَ    أَطهَرُ    iiهَيكَلٍ
بِالروحِ     أَم    بِالهَيكَلِ    iiالإِسراءُ
بِهِما    سَمَوتَ    مُطَهَّرَينِ   iiكِلاهُما
نورٌ         وَرَيحانِيَّةٌ         iiوَبَهاءُ
فَضلٌ   عَلَيكَ   لِذي   الجَلالِ  iiوَمِنَّةٌ
وَاللهُ    يَفعَلُ    ما    يَرى    iiوَيَشاءُ
تَغشى   الغُيوبَ   مِنَ   العَوالِمِ  iiكُلَّما
طُوِيَت     سَماءٌ     قُلِّدَتكَ     iiسَماءُ
في   كُلِّ   مِنطَقَةٍ   حَواشي   iiنورُها
نونٌ     وَأَنتَ    النُقطَةُ    iiالزَّهراءُ
أَنتَ   الجَمالُ   بِها   وَأَنتَ  المُجتَلى
وَالكَفُّ       وَالمِرآةُ       iiوَالحَسناءُ
اللهُ    هَيَّأَ    مِن    حَظيرَةِ    iiقُدسِهِ
نَزُلًا    لِذاتِكَ    لَم    يَجُزهُ    iiعَلاءُ
العَرشُ     تَحتَكَ     سُدَّةً    iiوَقَوائِمًا
وَمَناكِبُ    الروحِ    الأَمينِ    وِطاءُ
وَالرُسلُ  دونَ  العَرشِ  لَم  يُؤذَن iiلَهُمْ
حاشا      لِغَيرِكَ     مَوعِدٌ     وَلِقاءُ
الخَيلُ    تَأبى   غَيرَ   أَحمَدَ   iiحامِيًا
وَبِها    إِذا    ذُكِرَ    اسمُهُ    iiخُيَلاءُ
شَيخُ    الفَوارِسِ    يَعلَمونَ    iiمَكانَهُ
إِن     هَيَّجَت     آسادَها    iiالهَيجاءُ
وَإِذا      تَصَدّى     لِلظُّبا     iiفَمُهَنَّدٌ
أَو     لِلرِماحِ     فَصَعدَةٌ     iiسَمراءُ
وَإِذا    رَمى    عَن   قَوسِهِ   iiفَيَمينُهُ
قَدَرٌ    وَما   تُرمى   اليَمينُ   iiقَضاءُ
مِن   كُلِّ   داعي  الحَقِّ  هِمَّةُ  iiسَيفِهِ
فَلِسَيفِهِ     في    الرَّاسِياتِ    iiمَضاءُ
ساقي  الجَريحِ  وَمُطعِمُ الأَسرى iiوَمَن
أَمِنَت     سَنابِكَ     خَيلِهِ    iiالأَشلاءُ
إِنَّ   الشَجاعَةَ   في  الرِجالِ  iiغَلاظَةٌ
ما     لَم    تَزِنها    رَأفَةٌ    iiوَسَخاءُ
وَالحَربُ مِن شَرَفِ الشُّعوبِ فَإِن بَغَوا
فَالمَجدُ      مِمّا     يَدَّعونَ     iiبَراءُ
وَالحَربُ    يَبعَثُها    القَوِيُّ    تَجَبُّرًا
وَيَنوءُ    تَحتَ    بَلائِها    iiالضُعَفاءُ
كَم    مِن   غَزَاةٍ   لِلرَسولِ   iiكَريمَةٍ
فيها    رِضًى    لِلحَقِّ   أَو   iiإِعلاءُ
كانَت     لِجُندِ    اللهِ    فيها    iiشِدَّةٌ
في      إِثرِها     لِلعالَمينَ     iiرَخاءُ
ضَرَبوا  الضَلالَةَ  ضَربَةٌ  ذَهَبَت iiبِها
فَعَلى    الجَهالَةِ    وَالضَلالِ    iiعَفاءُ
دَعَموا  عَلى  الحَربِ  السَّلامَ iiوَطالَما
حَقَنَت    دِماءً   في   الزَمانِ   iiدِماءُ
الحَقُّ    عِرضُ    اللهِ    كلُّ    iiأَبِيَّةٍ
بَينَ    النُّفوسِ    حِمىً   لَهُ   iiوَوِقاءُ
هَل   كانَ   حَولَ   مُحَمَّدٍ  مِن  قَومِهِ
إِلا      صَبِيٌّ      واحِدٌ      iiوَنِساءُ
فَدَعا    فَلَبّى   في   القَبائِلِ   iiعُصبَةٌ
مُستَضعَفونَ       قَلائِلٌ       أَنضاءُ
رَدّوا  بِبَأسِ  العَزمِ  عَنهُ  مِنَ  iiالأَذى
ما    لا    تَرُدُّ   الصَخرَةُ   iiالصَمّاءُ
وَالحَقُّ   وَالإيمانُ   إِن   صُبّا  iiعَلى
بُردٍ      فَفيهِ      كَتيبَةٌ      خَرساءُ
نَسَفوا   بِناءَ   الشِركِ   فَهوَ  خَرائِبٌ
وَاستَأصَلوا    الأَصنامَ   فَهيَ   iiهَباءُ
يَمشونَ  تُغضي  الأَرضُ  مِنهُمْ iiهَيبَةً
وَبِهِمْ     حِيالَ     نَعيمِها    iiإِغضاءُ
حَتّى    إِذا    فُتِحَت   لَهُمْ   iiأَطرافُها
لَم    يُطغِهِمْ    تَرَفٌ    وَلا    نَعماءُ
يا   مَن   لَهُ   عِزُّ   الشَفاعَةِ   iiوَحدَهُ
وَهوَ     المُنَزَّهُ    ما    لَهُ    iiشُفَعاءُ
عَرشُ   القِيامَةِ   أَنتَ   تَحتَ  iiلِوائِهِ
وَالحَوضُ    أَنتَ    حِيالَهُ    iiالسَّقاءُ
تَروي   وَتَسقي   الصالِحينَ   iiثَوابَهُمْ
وَالصالِحاتُ       ذَخائِرٌ      iiوَجَزاءُ
أَلِمِثلِ  هَذا  ذُقتَ  في  الدُنيا  iiالطوى
وَانشَقَّ    مِن   خَلَقٍ   عَلَيكَ   iiرِداءُ
لي  في  مَديحِكَ  يا  رَسولُ  عَرائِسٌ
تُيِّمنَ      فيكَ     وَشاقَهُنَّ     iiجَلاءُ
هُنَّ    الحِسانُ   فَإِن   قَبِلتَ   iiتَكَرُّمًا
فَمُهورُهُنَّ        شَفاعَةٌ       iiحَسناءُ
أَنتَ    الَّذي    نَظَمَ    البَرِيَّةَ   iiدينُهُ
ماذا     يَقولُ     وَيَنظِمُ     الشُّعَراءُ
المُصلِحونَ    أَصابِعٌ    جُمِعَت   يَدًا
هِيَ   أَنتَ   بَل  أَنتَ  اليَدُ  iiالبَيضاءُ
ما   جِئتُ   بابَكَ   مادِحًا  بَل  iiداعِيًا
وَمِنَ     المَديحِ    تَضَرُّعٌ    iiوَدُعاءُ
أَدعوكَ  عَن  قَومي  الضِّعافِ  iiلِأَزمَةٍ
في    مِثلِها    يُلقى    عَلَيكَ   iiرَجاءُ
أَدرى    رَسولُ   اللهِ   أَنَّ   iiنُفوسَهُمْ
رَكِبَت    هَواها    وَالقُلوبُ    iiهَواءُ
مُتَفَكِّكونَ     فَما     تَضُمُّ    iiنُفوسَهُمْ
ثِقَةٌ    وَلا    جَمَعَ   القُلوبَ   iiصَفاءُ
رَقَدوا     وَغَرَّهُمُ     نَعيمٌ     iiباطِلٌ
وَنَعيمُ    قَومٍ    في    القُيودِ    iiبَلاءُ
ظَلَموا    شَريعَتَكَ   الَّتي   نِلنا   iiبِها
ما   لَم   يَنَل   في   رومَةَ   iiالفُقَهاءُ
مَشَتِ  الحَضارَةُ  في  سَناها iiوَاهتَدى
في    الدينِ   وَالدُّنيا   بِها   iiالسُعَداءُ
صَلّى  عَلَيكَ  اللهُ  ما  صَحِبَ iiالدُّجى
حادٍ      وَحَنَّت     بِالفَلا     iiوَجناءُ
وَاستَقبَلَ   الرِضوانَ   في   iiغُرُفاتِهِمْ
بِجِنانِ     عَدنٍ     آلُكَ     iiالسُمَحاءُ
خَيرُ  الوَسائِلِ  مَن  يَقَعْ  مِنهُم  iiعَلى
سَبَبٍ     إِلَيكَ    فَحَسبِيَ    iiالزَهراءُ
 

إفادة في محكمة الشعر

 شعر/ نزار قباني 

 

 

مرحبًا  يا  عراقُ،  جئتُ  iiأغنّيكَ
وبعضٌ     من     الغناءِ    iiبكاءُ
مرحباً،   مرحباً..  أتعرفُ  iiوجهاً
حفرتهُ       الأيّامُ      iiوالأنواءُ؟
أكلَ   الحبُّ   من  حشاشةِ  iiقلبي
والبقايا       تقاسمتها      iiالنساءُ
كلُّ    أحبابيَ   القدامى   iiنسَوني
لا    نُوارٌ   تُجيبُ   أو   iiعفراءُ
فالشفاهُ       المطيّباتُ      iiرمادٌ
وخيامُ    الهوى   رماها   iiالهواءُ
سكنَ   الحزنُ   كالعصافيرِ  iiقلبي
فالأسى    خمرةٌ   وقلبي   iiالإناءُ
أنا   جرحٌ   يمشي   على  iiقدميهِ
وخيولي    قد    هدَّها    iiالإعياءُ
فجراحُ  الحسينِ  بعضُ  iiجراحي
وبصدري   من   الأسى  iiكربلاءُ
وأنا  الحزنُ  من  زمانٍ  iiصديقي
وقليلٌ   في   عصرنا   iiالأصدقاءُ
مرحباً  يا  عراقُ، كيفَ iiالعباءاتُ
وكيفَ   المها..   وكيفَ  iiالظباءُ؟
مرحباً  يا  عراقُ..  هل  iiنسيَتني
بعدَ    طولِ    السنينِ   سامرّاءُ؟
مرحبًا  يا  جسورُ  يا نخلُ يا iiنهرُ
وأهلاً    يا    عشبُ...يا    أفياءُ
كيفَ   أحبابُنا  على  ضفةِ  النهرِ
وكيفَ      البساطُ      iiوالندماءُ؟
كان   عندي   هنا   أميرةُ   iiحبٍّ
ثم   ضاعت   أميرتي   iiالحسناءُ
أينَ   وجهٌ   في  الأعظميّةِ  iiحلوٌ
لو   رأتهُ   تغارُ   منهُ   iiالسماءُ؟
إنني   السندبادُ..   مزّقهُ   iiالبحرُ
و     عينا     حبيبتي     الميناءُ
مضغَ  الموجُ  مركبي..  iiوجبيني
ثقبتهُ      العواصفُ     iiالهوجاءُ
إنَّ في داخلي عصوراً من iiالحزنِ
فهل   لي   إلى  العراقِ  iiالتجاءُ؟
وأنا    العاشقُ   الكبيرُ..   iiولكن
ليس    تكفي   دفاتري   iiالزرقاءُ
يا  حزيرانُ. ما الذي فعلَ iiالشعرُ؟
وما  الذي  أعطى  لنا  iiالشعراءُ؟
الدواوينُ    في    يدينا   iiطروحٌ
والتعابيرُ        كلُّها        إنشاءُ
كلُّ   عامٍ   نأتي   لسوقِ   iiعكاظٍ
وعلينا      العمائمُ      الخضراءُ
ونهزُّ   الرؤوسَ  مثل  iiالدراويشِ
...و    بالنار    تكتوي    iiسيناءُ
كلُّ   عامٍ   نأتي..   فهذا  iiجريرٌ
يتغنّى..       وهذهِ      iiالخنساءُ
لم  نزَل،  لم نزَل نمصمصُ قشرًا
وفلسطينُ      خضّبتها     iiالدماءُ
يا   حزيرانُ..   أنتَ   أكبرُ  iiمنّا
وأبٌ     أنتَ    ما    لهُ    iiأبناءُ
لو    ملكنا    بقيّةً    من    iiإباءٍ
لانتخينا..       لكننا       iiجبناءُ
يا    عصورَ    المعلّقاتِ    iiملَلنا
ومن   الجسمِ   قد   يملُّ   iiالرداءُ
نصفُ   أشعارنا   نقوشٌ   iiوماذا
ينفعُ  النقشُ  حين  يهوي  البناءُ؟
المقاماتُ        iiلعبةٌ...والحريريُّ
حشيشٌ..     والغولُ     iiوالعنقاءُ
ذبحتنا     الفسيفساءُ     iiعصورًا
والدُّمى     والزخارفُ     iiالبلهاءُ
نرفضُ   الشعرَ   كيمياءً  iiوسحرًا
قتلتنا       القصيدةُ      iiالكيمياءُ
نرفضُ   الشعرَ   مسرحًا   iiملكيًّا
من    كراسيهِ   يحرمُ   iiالبسطاءُ
نرفضُ  الشعرَ  أن  يكونَ iiحصانًا
يمتطيهِ      الطغاةُ      iiوالأقوياءُ
نرفضُ   الشعرَ   عتمةً  iiورموزًا
كيف  تستطيعُ  أن ترى iiالظلماءُ؟
نرفضُ    الشعرَ   أرنباً   iiخشبيًّا
لا    طموحٌ    لهُ    ولا   iiأهواءُ
نرفضُ  الشِّعرَ  في قهوةِ iiالشعر..
دخانٌ            iiأيّامهم..وارتخاءُ
شعرُنا  اليومَ  يحفرُ الشمسَ iiحفرًا
بيديهِ..    فكلُّ    شيءٍ    iiمُضاءُ
شعرنا   اليومَ   هجمةٌ  iiواكتشافٌ
لا   خطوطٌ   كوفيّةٌ   ،   iiوحداءُ
كلُّ   شعرٍ   معاصرٍ   ليسَ   فيهِ
غَضَبُ   العصرِ   نملةٌ   iiعرجاءُ
ما   هوَ  الشعرُ  إن  غدا  iiبهلوانًا
يتسلّى       برقصهِ       الخُلفاءُ
ما  هو  الشعرُ.. حينَ يصبحُ iiفأرًا
كِسرةُ    الخبزِ    ii–هَمُّهُ-والغِذاءُ
وإذا     أصبحَ     المفكِّرُ    iiبُوقًا
يستوي   الفكرُ   عندها  iiوالحذاءُ
يُصلبُ   الأنبياءُ  من  أجل  رأيٍ
فلماذا    لا    يصلبُ   iiالشعراءُ؟
الفدائيُّ   وحدهُ..   يكتبُ   iiالشعرَ
و    كلُّ    الذي    كتبنا   iiهراءُ
إنّهُ    الكاتبُ   الحقيقيُّ   iiللعصرِ
ونحنُ      الحُجَّابُ     iiوالأجراءُ
عندما    تبدأُ   البنادقُ   iiبالعزفِ
تموتُ      القصائدُ      العصماءُ
ما   لنا؟   مالنا   نلومُ   iiحزيرانَ
و    في    الإثمِ   كلُّنا   iiشركاءُ؟
من   هم  الأبرياءُ؟  نحنُ  iiجميعًا
حاملو     عارهِ    ولا    iiاستثناءُ
عقلُنا،    فكرُنا،   هزالُ   iiأغانينا
رؤانا،       أقوالُنا       iiالجوفاءُ
نثرُنا،  شعرُنا،  جرائدُنا iiالصفراءُ
والحبرُ      والحروفُ     iiالإماءُ
البطولاتُ     موقفٌ     iiمسرحيٌّ
ووجوهُ       الممثلينَ       iiطلاءُ
وفلسطينُ       بينهم       iiكمزادٍ
كلُّ    شارٍ   يزيدُ   حين   iiيشاءُ
وحدويّون!      والبلادُ     iiشظايا
كلُّ   جزءٍ   من   لحمها   أجزاءُ
ماركسيّونَ!    والجماهيرُ   iiتشقى
فلماذا     لا     يشبعُ    iiالفقراءُ؟
قرشيّونَ!    لو    رأتهم   iiقريشٌ
لاستجارت   من   رملِها   البيداءُ
لا    يمينٌ    يجيرُنا   أو   iiيسارٌ
تحتَ   حدِّ   السكينِ  نحنُ  سواءُ
لو قرأنا التاريخَ ما ضاعتِ القدسُ
وضاعت  من  قبلها  ii"الحمراءُ"..
يا  فلسطينُ،  لا  تزالينَ  iiعطشى
وعلى   الزيتِ  نامتِ  iiالصحراءُ
العباءاتُ..    كلُّها    من   حريرٍ
والليالي      رخيصةٌ     iiحمراءُ
يا   فلسطينُ،   لا   تنادي  عليهم
قد   تساوى   الأمواتُ   والأحياءُ
قتلَ   النفطُ   ما  بهم  من  سجايا
ولقد     يقتلُ     الثريَّ    الثراءُ
يا   فلسطينُ،   لا  تنادي  iiقريشًا
فقريشٌ    ماتت    بها    الخيَلاءُ
لا  تنادي  الرجالَ من عبدِ iiشمسٍ
لا   تنادي..  لم  يبقَ  إلا  النساءُ
ذروةُ الموتِ أن تموتَ iiالمروءاتُ
ويمشي    إلى    الوراءِ   الوراءُ
مرَّ    عامانِ    والغزاةُ   مقيمونَ
و     تاريخُ    أمتي...    iiأشلاءُ
مرَّ    عامانِ..   والمسيحُ   iiأسيرٌ
في   يديهم..   و   مريمُ  العذراءُ
مرَّ    عامانِ..    والمآذنُ   تبكي
و     النواقيسُ    كلُّها    خرساءُ
أيُّها  الراكعونَ  في  معبدِ iiالحرفِ
كفانا       الدُّوارُ       iiوالإغماءُ
مزِّقوا    جُبَّةَ   الدراويشِ   iiعنكم
واخلعوا   الصوفَ  أيُّها  iiالأتقياءُ
اتركوا       أولياءَنا       iiبسلامٍ
أيُّ    أرضٍ   أعادها   iiالأولياءُ؟
في  فمي  يا  عراقُ..  ماءٌ  iiكثيرٌ
كيفَ  يشكو من كانَ في فيهِ iiماءُ؟
زعموا    أنني    طعنتُ   بلادي
وأنا     الحبُّ     كلُّهُ    iiوالوفاءُ
أيريدونَ    أن   أمُصَّ   iiنزيفي؟
لا   جدارٌ   أنا   و   لا   iiببغاءُ!
أنا    حريَّتي...   فإن   iiسرقوها
تسقط   الأرضُ   كلُّها   iiوالسماءُ
ما  احترفتُ  النِّفاقَ يومًا iiوشعري
ما    اشتراهُ   الملوكُ   iiوالأمراءُ
كلُّ   حرفٍ   كتبتهُ   كانَ   iiسيفًا
عربيًّا     يشعُّ    منهُ    iiالضياءُ
وقليلٌ      من     الكلامِ     iiنقيٌّ
وكثيرٌ     من     الكلامِ     iiبغاءُ
كم   أُعاني   مما   كتبتُ   iiعذابًا
ويعاني    في    شرقنا   iiالشرفاءُ
وجعُ   الحرفِ   رائعٌ..أوَ  iiتشكو
للبساتينِ       وردةٌ      iiحمراءُ؟
كلُّ   من   قاتلوا  بحرفٍ  iiشجاعٍ
ثم     ماتوا..     فإنهم    iiشهداءُ
لا  تعاقب  يا  ربِّ  من iiرجموني
واعفُ    عنهم    لأنّهم   iiجهلاءُ
إن   حبّي  للأرضِ  حبٌّ  iiبصيرٌ
وهواهم      عواطفٌ      iiعمياءُ
إن   أكُن  قد  كويتُ  لحمَ  بلادي
فمن   الكيِّ   قد   يجيءُ   الشفاءُ
من  بحارِ  الأسى،  وليلِ iiاليتامى
تطلعُ    الآنَ    زهرةٌ    iiبيضاءُ
ويطلُّ    الفداءُ    شمسًا    iiعلينا
ما   عسانا   نكونُ..  لولا  iiالفداءُ
من   جراحِ   المناضلينَ..  iiوُلدنا
ومنَ    الجرحِ    تولدُ   iiالكبرياءُ
قبلَهُم،    لم   يكن   هنالكَ   iiقبلٌ
ابتداءُ   التاريخِ  من  يومِ  iiجاؤوا
هبطوا    فوقَ    أرضنا   iiأنبياءً
بعد   أن   ماتَ   عندنا   الأنبياءُ
أنقذوا   ماءَ   وجهنا  يومَ  iiلاحوا
فأضاءت     وجوهُنا     iiالسوداءُ
منحونا    إلى    الحياةِ    iiجوازًا
لم    تكُن    قبلَهم    لنا   iiأسماءُ
أصدقاءُ   الحروفِ   لا  iiتعذلوني
إن    تفجّرتُ    أيُّها   iiالأصدقاءُ
إنني   أخزنُ   الرعودَ  iiبصدري
مثلما    يخزنُ   الرعودَ   iiالشتاءُ
أنا  ما  جئتُ  كي  أكونَ  iiخطيبًا
فبلادي      أضاعَها     iiالخُطباءُ
إنني   رافضٌ  زماني  iiوعصري
ومن    الرفضِ    تولدُ   iiالأشياءُ
أصدقائي..  حكيتُ ما ليسَ iiيُحكى
و   شفيعي...   طفولتي   والنقاءُ
إنني     قادمٌ    إليكم..    iiوقلبي
فوقَ     كفّي    حمامةٌ    iiبيضاءُ
افهموني..   فما   أنا  غيرُ  iiطفلٍ
فوقَ    عينيهِ    يستحمُّ   iiالمساءُ
أنا   لا  أعرفُ  ازدواجيّةَ  iiالفكرِ
فنفسي..       بحيرةٌ      iiزرقاءُ
لبلادي   شعري..   ولستُ  أبالي
رفصتهُ    أم   باركتهُ   iiالسماءُ..

 

سلوا قلبي

شعر / أحمد شوقي 

في مدح الرسول الكريم

سَلوا   قَلبي   غَداةَ  سَلا  iiوَثابا
لَعَلَّ   عَلى  الجَمالِ  لَهُ  iiعِتابا
وَيُسأَلُ في الحَوادِثِ ذو صَوابٍ
فَهَل  تَرَكَ  الجَمالُ  لَهُ  iiصَوابا
وَكُنتُ  إِذا  سَأَلتُ  القَلبَ  يَومًا
تَوَلّى  الدَمعُ  عَن قَلبي iiالجَوابا
وَلي   بَينَ  الضُلوعِ  دَمٌ  وَلَحمٌ
هُما  الواهي  الَّذي ثَكِلَ iiالشَبابا
تَسَرَّبَ  في  الدُموعِ iiفَقُلتُ:وَلّى
وَصَفَّقَ في الضُلوعِ فَقُلتُ: iiثابا
وَلَو   خُلِقَتْ  قُلوبٌ  مِن  iiحَديدٍ
لَما   حَمَلَتْ  كَما  حَمَلَ  العَذابا
وَأَحبابٍ   سُقيتُ   بِهِمْ   iiسُلافًا
وَكانَ  الوَصلُ  مِن قِصَرٍ iiحَبابا
وَنادَمْنَا   الشَبابَ   عَلى  بِساطٍ
مِنَ   اللَذاتِ   مُختَلِفٍ   iiشَرابا
وَكُلُّ بِساطِ عَيشٍ سَوفَ iiيُطوى
وَإِن   طالَ  الزَّمانُ  بِهِ  وَطابا
كَأَنَّ    القَلبَ   بَعدَهُمُ   غَريبٌ
إِذا  عادَتهُ  ذِكرى  الأَهلِ  iiذابا
وَلا  يُنبيكَ  عَن  خُلُقِ  iiاللَّيالي
كَمَن   فَقَدَ   الأَحِبَّةَ  iiوَالصِّحابا
أَخا   الدُّنيا  أَرى  دُنياكَ  أَفعى
تُبَدِّلُ     كُلَّ     آوِنَةٍ    iiإِهابا
وَأَنَّ   الرُّقطَ   أَيقَظُ   iiهاجِعاتٍ
وَأَترَعُ  في  ظِلالِ  السِّلمِ  iiنابا
وَمِن   عَجَبٍ  تُشَيِّبُ  iiعاشِقيها
وَتُفنيهِمْ   وَما   بَرِحَتْ   iiكَعابا
فَمَن    يَغتَرُّ    بِالدُنيا    iiفَإِنّي
لَبِستُ    بِها    فَأَبلَيتُ   الثِّيابا
لَها   ضَحِكُ  القِيانِ  إِلى  غَبِيٍّ
وَلي  ضَحِكُ  اللَّبيبِ إِذا iiتَغابى
جَنَيتُ  بِرَوضِها  وَردًا  وَشَوكًا
وَذُقتُ   بِكَأسِها   شَهدًا  iiوَصابا
فَلَم  أَرَ  غَيرَ  حُكمِ  اللهِ  iiحُكمًا
وَلَم   أَرَ  دونَ  بابِ  اللَهِ  iiبابا
وَلا  عَظَّمتُ  في  الأَشياءِ  iiإِلا
صَحيحَ   العِلمِ  وَالأَدَبَ  iiاللُبابا
وَلا   كَرَّمتُ   إِلا   وَجهَ  iiحُرٍّ
يُقَلِّدُ    قَومَهُ    المِنَنَ   الرِّغابا
وَلَم  أَرَ  مِثلَ  جَمعِ  المالِ iiداءً
وَلا   مِثلَ  البَخيلِ  بِهِ  iiمُصابا
فَلا    تَقتُلكَ    شَهوَتُهُ   iiوَزِنها
كَما  تَزِنُ  الطَّعامَ  أَوِ  iiالشَّرابا
وَخُذ    لِبَنيكَ   وَالأَيّامِ   iiذُخرًا
وَأَعطِ   اللهَ   حِصَّتَهُ   احتِسابا
فَلَو   طالَعتَ   أَحداثَ  iiاللَيالي
وَجَدتَ   الفَقرَ   أَقرَبَها  iiانتِيابا
وَأَنَّ   البِرَّ   خَيرٌ   في   iiحَياةٍ
وَأَبقى    بَعدَ   صاحِبِهِ   iiثَوابا
وَأَنَّ    الشَرَّ   يَصدَعُ   iiفاعِليهِ
وَلَم    أَرَ   خَيِّرًا   بِالشَرِّ   آبا
فَرِفقًا    بِالبَنينَ    إِذا   iiاللَّيالي
عَلى  الأَعقابِ  أَوقَعَتِ  iiالعِقابا
وَلَم    يَتَقَلَّدوا   شُكرَ   iiاليَتامى
وَلا  ادَّرَعوا  الدُّعاءَ iiالمُستَجابا
عَجِبتُ  لِمَعشَرٍ صَلّوا iiوَصاموا
عَواهِرَ   خِشيَةً   وَتُقى   iiكِذابا
وَتُلفيهِمْ   حِيالَ   المالِ   iiصُمًّا
إِذا   داعي   الزَكاةِ  بِهِمْ  iiأَهابا
لَقَد   كَتَموا   نَصيبَ  اللهِ  iiمِنهُ
كَأَنَّ   اللهَ  لَم  يُحصِ  iiالنِّصابا
وَمَن   يَعدِل   بِحُبِّ  اللهِ  iiشَيئًا
كَحُبِّ  المالِ  ضَلَّ هَوًى iiوَخابا
أَرادَ     اللَهُ    بِالفُقَراءِ    iiبِرًّا
وَبِالأَيتامِ      حُبًّا      iiوَارتِبابا
فَرُبَّ    صَغيرِ   قَومٍ   iiعَلَّموهُ
سَما   وَحَمى  المُسَوَّمَةَ  العِرابا
وَكانَ    لِقَومِهِ    نَفعًا   وَفَخرًا
وَلَو   تَرَكوهُ  كانَ  أَذًى  iiوَعابا
فَعَلِّمْ  ما  استَطَعتَ  لَعَلَّ  iiجيلاً
سَيَأتي  يُحدِثُ  العَجَبَ  العُجابا
وَلا  تُرهِقْ  شَبابَ  الحَيِّ iiيَأسًا
فَإِنَّ    اليَأسَ   يَختَرِمُ   الشَبابا
يُريدُ  الخالِقُ  الرِزقَ  iiاشتِراكًا
وَإِن  يَكُ  خَصَّ  أَقوامًا iiوَحابى
فَما   حَرَمَ   المُجِدَّ  جَنى  iiيَدَيهِ
وَلا  نَسِيَ  الشَقِيَّ  وَلا iiالمُصابا
وَلَولا  البُخلُ  لَم  يَهلِكْ  iiفَريقٌ
عَلى   الأَقدارِ   تَلقاهُمْ  غِضابا
تَعِبتُ    بِأَهلِهِ    لَومًا   iiوَقَبلي
دُعاةُ  البِرِّ  قَد  سَئِموا  iiالخِطابا
وَلَو  أَنّي  خَطَبتُ  عَلى  iiجَمادٍ
فَجَرْتُ   بِهِ   اليَنابيعَ   iiالعِذابا
أَلَم  تَرَ  لِلهَواءِ  جَرى  فَأَفضى
إِلى   الأَكواخِ  وَاختَرَقَ  القِبابا
وَأَنَّ  الشَمسَ  في الآفاقِ iiتَغشى
حِمى  كِسرى كَما تَغشى iiاليَبابا
وَأَنَّ  الماءَ  تُروى  الأُسدُ  iiمِنهُ
وَيَشفي   مِن   تَلَعلُعِها   الكِلابا
وَسَوّى    اللهُ    بَينَكُمُ   iiالمَنايا
وَوَسَّدَكُمْ   مَعَ   الرُّسلِ  iiالتُّرابا
وَأَرسَلَ    عائِلاً   مِنكُمْ   iiيَتيمًا
دَنا  مِن  ذي  الجَلالِ فَكانَ iiقابا
نَبِيُّ     البِرِّ     بَيَّنَهُ    iiسَبيلاً
وَسَنَّ   خِلالَهُ   وَهَدى  iiالشِّعابا
تَفَرَّقَ  بَعدَ  عيسى  الناسُ  iiفيهِ
فَلَمّا    جاءَ   كانَ   لَهُمْ   مَتابا
وَشافي  النَّفسِ مِن نَزَعاتِ iiشَرٍّ
كَشافٍ   مِن   طَبائِعِها   iiالذِّئابا
وَكانَ    بَيانُهُ    لِلهَدْيِ   iiسُبلاً
وَكانَت    خَيلُهُ    لِلحَقِّ   iiغابا
وَعَلَّمَنا    بِناءَ    المَجدِ   حَتّى
أَخَذنا  إِمرَةَ  الأَرضِ  iiاغتِصابا
وَما   نَيلُ   المَطالِبِ   iiبِالتَمَنّي
وَلَكِن    تُؤخَذُ    الدُّنيا   iiغِلابا
وَما  استَعصى  عَلى قَومٍ iiمَنالٌ
إِذا   الإِقدامُ   كانَ   لَهُمْ  iiرِكابا
تَجَلّى   مَولِدُ   الهادي  iiوَعَمَّتْ
بَشائِرُهُ    البَوادي    iiوَالقِصَابا
وَأَسدَتْ   لِلبَرِيَّةِ   بِنتُ  iiوَهبٍ
يَدًا   بَيضاءَ   طَوَّقَتِ   iiالرِّقابا
لَقَد    وَضَعَتهُ   وَهّاجًا   مُنيرًا
كَما   تَلِدُ   السَماواتُ   iiالشِّهابا
فَقامَ  عَلى  سَماءِ  البَيتِ  iiنورًا
يُضيءُ   جِبالَ   مَكَّةَ   وَالنِّقابا
وَضاعَت  يَثرِبُ  الفَيحاءُ مِسكًا
وَفاحَ    القاعُ   أَرجاءً   iiوَطابا
أَبا  الزَهراءِ قَد جاوَزتُ iiقَدري
بِمَدحِكَ   بَيدَ   أَنَّ  لِيَ  iiانتِسابا
فَما   عَرَفَ  البَلاغَةَ  ذو  بَيانٍ
إِذا    لَم    يَتَّخِذْكَ   لَهُ   iiكِتابا
مَدَحتُ   المالِكينَ  فَزِدتُ  iiقَدرًا
فَحينَ  مَدَحتُكَ  اقتَدتُ  iiالسَّحابا
سَأَلتُ   اللهَ   في   أَبناءِ  ديني
فَإِن   تَكُنِ  الوَسيلَةَ  لي  iiأَجابا
وَما   لِلمُسلِمينَ  سِواكَ  iiحِصنٌ
إِذا   ما   الضَرُّ   مَسَّهُمُ  iiوَنابا
كَأَنَّ  النَحسَ حينَ جَرى iiعَلَيهِمْ
أَطارَ    بِكُلِّ    مَملَكَةٍ   iiغُرابا
وَلَو  حَفَظوا  سَبيلَكَ  كان iiنورًا
وَكانَ  مِنَ  النُّحوسِ لَهُمْ iiحِجابا
بَنَيتَ  لَهُمْ  مِنَ  الأَخلاقِ  iiرُكنًا
فَخانوا  الرُّكنَ فَانهَدَمَ iiاضطِرابا
وَكانَ    جَنابُهُمْ    فيها   iiمَهيبًا
وَلَلأَخلاقِ    أَجدَرُ   أَن   تُهابا
فَلَولاها   لَساوى   اللَيثُ   ذِئبًا
وَساوى  الصَّارِمُ الماضي iiقِرابا
فَإِن    قُرِنَت   مَكارِمُها   iiبِعِلمٍ
تَذَلَّلَتِ    العُلا   بِهِما   iiصِعابا
وَفي  هَذا  الزَمانِ  مَسيحُ  iiعِلمٍ
يَرُدُّ   عَلى  بَني  الأُمَمِ  الشَّبابا

الشهيد

 شعر / عبد الرحيم محمود 
سأحمل   روحي   على  راحتي
وألقي  بها  في  مهاوي  iiالردى
فإمّا    حياة    تسرّ    iiالصديق
وإمّا    مماتٌ    يغيظ    iiالعدى
ونفسُ   الشريف   لها   iiغايتان
ورود    المنايا    ونيلُ   iiالمنى
وما  العيشُ؟ لا عشتُ إن لم أكن
مخوف   الجناب  حرام  iiالحمى
إذا  قلتُ  أصغى  ليَ  iiالعالمون
ودوّى    مقالي    بين   iiالورى
لعمرك   إنّي   أرى   مصرعي
ولكن     أغذّ    إليه    iiالخطى
أرى مصرعي دون حقّي السليب
ودون    بلادي   هو   iiالمبتغى
يلذّ    لأذني    سماع   iiالصليل
ويبهجُ    نفسي    مسيل   iiالدما
وجسمٌ  تجدل  في iiالصحصحان
تناوشُهُ      جارحاتُ      iiالفلا
فمنه    نصيبٌ   لأسد   iiالسماء
ومنه   نصيبٌ   لأسد   iiالشّرى
كسا   دمه  الأرض  iiبالأرجوان
وأثقل    بالعطر   ريح   iiالصّبا
وعفّر     منه    بهيَّ    الجبين
ولكن     عُفارًا    يزيد    iiالبها
وبان    على    شفتيه    ابتسامٌ
معانيه    هزءٌ    بهذي    iiالدّنا
ونام    ليحلم   َ   حلم   iiالخلود
ويهنأ    فيه    بأحلى    iiالرؤى
لعمرك   هذا   مماتُ   iiالرجال
ومن   رام   موتًا   شريفًا  iiفذا
فكيف  اصطباري  لكيد  iiالحقود
وكيف   احتمالي   لسوم  iiالأذى
أخوفًا   وعندي   تهونُ   iiالحياة
وذُلاّ     وإنّي     لربّ    iiالإبا
بقلبي   سأرمي   وجوه   iiالعداة
فقلبي    حديدٌ    وناري   iiلظى
وأحمي   حياضي  بحدّ  iiالحسام
فيعلم     قوميَ    أنّي    iiالفتى

 

الضجيج العذب

شعر / عمر بهاء الدين الأميري

أولادنا هم الجنة التي منحنا الله إياها على الأرض، ولنا أن نتخيل شاعرا فارقته جنته ، يا ترى كيف يعبر عن هذا الفراق؟!

بين يديكم القصيدة الرائعة للشاعر الكبير عمر بهاء الدين الأميري التي قالها عندما ابتعد أولاده عنه إثر سفرهم.

 

أين  الضجيج  العذب  iiوالشغبُ"
"أين   التدارس   شابه   اللعبُ؟
أين    الطفولة    في   iiتوقدها"
"أين الدمى في الأرض iiوالكتبُ؟
اين   التشاكس  دونما  iiغرض"
"أين    التشاكي   ماله   iiسببُ؟
أين   التباكي  والتضاحك  iiفي"
"وقت  معا ، والحزن iiوالطربُ؟
أين   التسابق   في  iiمجاورتي"
"شغفا  إذا  أكلوا  وإن  iiشربوا؟
يتزاحمون    على    iiمجالستي"
"والقرب   مني  حيثما  iiانقلبوا؟
يتوجهون    بسوق    iiفطرتهم"
"نحوي  إذا  رهبوا  وإن iiرغبوا
فنشيدهم:   (بابا)   إذا  iiفرحوا"
"ووعيدهم:  (بابا)  إذا  iiغضبوا
وهتافهم:   (بابا)   إذا  iiابتعدوا"
"ونجيهم:   (بابا)   إذا  iiاقتربوا
بالأمس   كانوا   ملء   منزلنا"
"واليوم،  ويح  اليوم  قد  iiذهبوا
وكأنما  الصمت  الذي  iiهبطت"
"أثقاله   في   الدار  إذ  iiغربوا
إغفاءة     المحموم     iiهدأتها"
"فيها    يشيع    الهم   iiوالتعبُ
ذهبوا  ، أجل ذهبوا ii،ومسكنهم"
"في القلب ، ما شطوا وما قربوا
إني    أراهم    أينما    التفتت"
"نفسي  وقد  سكنوا ، وقد iiوثبوا
وأحس   في   خلدي  iiتلاعبهم"
"في  الدار  ليس  ينالهم  iiنصبُ
وبريق  أعينهم  ،  إذا  iiظفروا"
"ودموع   حرقتهم   إذا   iiغلبوا
في    كل   ركن   منهم   iiأثر"
"وبكل    زاوية   لهم   iiصخبُ
في  النافذات  زجاجها  iiحطموا"
"في  الحائط  المدهون  قد iiثقبوا
في  الباب  قد  كسروا iiمزالجه"
"وعليه  قد  رسموا  وقد  iiكتبوا
في  الصحن فيه بعض ما أكلوا"
"في  علبة  الحلوى  التي  iiنهبوا
في  الشطر  من تفاحة iiقضموا"
"في  فضلة  الماء  التي  iiسكبوا
إني    أراهم   حيثما   iiاتجهت"
"عيني   كأسراب  القطا  سربوا
بالأمس  في  (قرنايل) iiنزلوا"
"واليوم   قد  ضمتهم  (iiحلبُ)
دمعي    الذي    كتمته   iiجلدا"
"لما    تباكوا    عندما   iiركبوا
حتى  إذا  ساروا  وقد  iiنزعوا"
"من   أضلعي  قلبا  بهم  iiيجبُ
ألفيتني     كالطفل     iiعاطفة"
"فإذا    به    كالغيث   iiينسكبُ
قد   يعجب  العذال  من  iiرجل"
"يبكي  ،  ولو  لم  أبك iiفالعجبُ
هيهات   ما   كل  البكا  iiخور"
"إني   وبي  عزم  الرجال  iiأبُ
 

الصحو في الثمالة

شعر /  أحمد مطر

 

 أكادُ لِشدَّةِ القهرِ
أظنُّ القَهْرَ في أوطانِنا

يشكو من القهرِ !
َولي عُذْري
لأنّي أتّقي خَيْري

لكي أنجو مِنَ الشَّرِّ
فأنكر خالق الناس
ليأمن خانِقُ الناسِ
ولا يرتاب في أمري

لأنَّ الكُفْرَ في أوطاننا

لا يُورث الإعدامَ كالفِكْرِ !
 
أحيِّي ميْتَ إحساسي

بأقْداحٍ من الخمرِ
فألعن كلَّ دسّاسٍ وَوَسْوَاسٍ وخنَّاسِ
ولا أخشى على نَحْري

من النحرِ
لأنَّ الذنبَ مُغْتَفَرٌ

وأنتَ بحالةِ السُّكْرِ !

     * * *

ومن حِذْري
أُمارسُ دائمًا حُرَّيةَ التعبيرِ

في سرِّي
وأخشى أنْ يبوحَ السِّرُّ

 بالسِّـرِّ
أَشُكُّ بِحَرِّ أنفاسي
فلا أُدنيهِ من ثَغري
أَشُكُّ بصمتِ كُرَّاسِي
أَشُكُّ بنقطةِ الحِبْرِ
وكلِّ مساحةٍ بيضاءَ

بينَ السَّطْرِ والسَّطْرِ
ولستُ أُعَدُّ مجنونًا

بعصرِ السَّحْقِ والعَصْرِ
إذا أصبحتُ في يومٍ

أَشُكُّ بأنّني غيري
وأنّي هاربٌ مِنّي
وأنّي أقتفي أثري ..

ولا أدري  
     * * *

إذا ما عُدّت الأعمارُ

بالنُّـعْمى وباليُسْرِ
فعُمري ليس من عُمري !
لأنّي شاعرٌ حُرٌّ
وفي أوطاننا

يمتَدُّ عُمرُ الشاعرِ الحرِّ
إلى أقصاهُ بين الرَّحْمِ والقبرِ

على بيتٍ من الشِّعْرِ!