آخر كلمات القَرَّاء الضرير

             شعر/ أ.د: جابر قميحة

  في منطقة (تل الخرابنة) بجنوب مصر عُثِر سنة 1928م في قبوٍ على مجموعة من الأوراق البردية، وعددها 52 مكتوبة بلغةٍ مركَّبة من الهيروغليوفية والآرامية القديمة، منسوبة إلى (حاموتاب) القَرَّاء الضرير، وأقدِّم ترجمةً شعرية للورقة رقم 52.

 

 

 

(1)

يا أفق الوطن المسكين

ماذا في غدك المكنون؟

دعني أهتك عنك

ضباب كتابك حتى أشهد

يا لله!

إني لا أشهد غير سوادٍ ملعون

وشبابٍ مهزوم النخوة

مهتوك العزم

وحطامٍ كالعصف الذاوي

من شجر التين المحروق

وغصونِ الزيتون البالي

وبقايا راكدةٍ من ماءٍ وعيون

وقوافلَ من فلكٍ مشحون

تحمل للشعب المحروم

شحنة "بانجو" وهيروين

 

(2)

إني أسمع عصف الريح الصَّرصرْ

تعوي في الوطن المفجوع

 وتزأر

يَهْدم ويدمر

يجتاحُ اليابسَ والأخضر

 

(3)

ما كانت هذي بالرؤيا

بل أشهدُ ذلك رأيَ العين

وأرى أيضًا بقرات سبعًا

عجفاوات سودًا

ينزفن دماءً وصديدًا

يأكلن سمينات من

أبقارٍ.. ألفٍ.. بل مليونْ

وأرى كل سنابل أرض النهر

تجف.. وتيْبَسُ ثم تَهاوَى

لتكون طعامًا للدود المنكود

 

(4)

وأرى الطوفانَ العارِم قادمْ

بسيول عاتيةٍ سوداء

ليست من ماء

بل من قَيءٍ.. وصديدٍ

ودماءْ..

فإذا ما حُمَّ اليومُ الأسودُ

فاحذر أن تسأل- يا

ولدي الطيب- عن نوح

وسفينة نوحْ

أو عن جبلٍ يحميك

ويعْصمكَ من اللُّجَجِ

السوداءِ.. الحمراءْ

أو عن قطعة ضوءٍ

تستهديها في الظلماء

أو عن نوحٍ وسفينته

فسفينة نوحٍ..

صادرها "الأمنُ الليلي"

وزوارُ الفَجرْ

في صمت.. فكوها..

باعوها لَوْحًا لوحا

مسمارًا.. مسمارا

للملِك "اليأجوج"

باعوها بالدولار.. وبالدينار

وبالويسكي المستورد والكفيار

وأجوس خلال الجوديّ..

فيا بؤس الجوديِّ الأخضر

مَرسى نوحٍ.. وسفينته

وحمائمه.. وصحابته

جعلوه "منطقة حرة"

"منطقة الجودي الحرة

للتهليب.. وللتهريبْ"

 

(5)

فلتلزم تابوت الصمت

ولتحذر أن تهتف

في غدك المفجوع العاني

"يا يوسف فلتأت إلينا..

يا يوسف لا تبعد عنا"

يوسف صدِّيقٌ يا ولدي

ولذلك يأبى أن يتولى

أمرَ خزائنِ وطنٍ منهوبٍ

مطحونْ..

ليكون عليها خيرَ أمينْ

يوسف هاجر للصحراءْ

آثر أن يرجع للجبِّ المعزول

هناكْ

فخزائن هذا الوطنِ المطحونِ

تولاها حرَّاس الوطن

من العسكر

شطارِ المنسر

 

(6)

وأرى في سِفْر الوطنِ المكنونِ

الطفلَ الأخضرَ

نَبْتَ الوطنِ العاني

إما مفقودًا.. أو مغتصبا

أو موْءودا

إذ يأتي يومٌ يا ولدي..

يتشبث فيه بثدي الأم

يعتصر بفكيه الحلَمة

يستجديها نقطةَ لبنٍ

هاربةً في أعماق الصدر

لكي تنقذه

من جوع ساعرْ

لكنَّ الحلمةَ لا تسعفه

إلا بنقاط من دمْ

يتلوها قيْءٌ وعدمْ

فالعسكر- في نهم كافر-

امتصوا حتى لبن الأمِّ

فلما شبعوا

خنقوها في ليلٍ دامٍ

أما الطفل..

فقد وأدوه بقاعِ النهرْ

 

(7)

وأرى ألسنة الصفوة

من أحرار الناس ستُقطعْ

وعيون الأطهار ستُقلعْ

لتكون قلائد وعقودا

وأساور تُهدَى

"لِسالومى"

راقصةِ الملكِ اليأجوجْ

 

(8)

والكلمةْ..

يا ويلَ الكلمة

ستُراق دماها ليل نهارْ

كي تَروي بستان "سالومى"

ولِتَروِيَ أرض "اليأجوج"

المنهوبة من "أرض النهرْ"

 

(9)

وستشهد كل فجاج الأرض

تضيقُ.. تضيقُ بما رحُبت

حتى يتخذ الأحياءُ

قبورَ الأمواتِ مساكنْ

بل يغدو الموت- بلا ألمٍ-

حلمَ الأحلامْ..

يطلبه الناس صباح مساء

"بحق البؤس

وحق الذل

تعالَ.. تعال"

فلا يأتي

حتى الأيام- وصدقني-

ستحاول أن تنتحر فلا تقدرْ

تنتحر لتخلص من عارٍ

موهومٍ.. كاذبْ

ألصقه فيها الأفاقون

الأفاكون

إذ قالوا:

"عار الأيام

ظلم الأيام

غدر الأيام"

مع أن الأيام من العار بريئةْ

والحقَّ أقول:

العار الداعر فيمن سبوا الأيام

فيمن شحنوا الزمن الناصعَ

بمخازيهم.. هربًا منها

فيمن قالوا:

ليس العدل أساس الملك

فيمن قالوا:

"إن الملكَ بديلُ العدل.. وفوق العدل"

فيمن تخذوا الجبن فضيلة

فيمن جعلوا الطهر جريمة

أما الصدق فشر رذيلة

فيمن قصفوا عنق الكلمة

وبغدر قد غالوا الشمس

وانتزعوا روح المستقبل

وانتهكوا الحاضر والأمسْ

 

(10)

وأرى "سالومَى" والمنسرْ

في رقصة عُهْر مجنون

تسكرهم أنخابٌ شتَّى

من خمر ضارٍ.. ودماءْ

في مأتم شعب مطحونْ

في أرض النهر المحزونْ

 

(11)

يا ولدي الطيب معذرةً

فالرؤية قد تاهتْ مني

والسحب الدامية السوداءْ

تمطر جمرًا وسكاكينْ

تطوى كل حطام باقٍ

من ماء وعيونْ

وجذور التين أو الزيتون

وأحسُّ بنبضي الذاوي

في قلبي المطعونْ

يأسره الصمت الأبديُّ

فأعجزُ عن أن استقرئ

باقية باكية

    من سِفْر الوطن المكنونْ

 

لا تصالحْ!

شعر/ أمل دنقل

    القصيدة ذائعة الصيت التي استوحى فيها الشاعر قصة حرب البسوس وقد جاءت في إطار انتقاده مساعي السلام المصري الإسرائيلي

    لا تصالحْ!
    ..ولو منحوك الذهب
    أترى حين أفقأ عينيك
    ثم أثبت جوهرتين مكانهما..
    هل ترى..؟
    هي أشياء لا تشترى..:
    ذكريات الطفولة بين أخيك وبينك،
    حسُّكما - فجأةً - بالرجولةِ،
    هذا الحياء الذي يكبت الشوق.. حين تعانقُهُ،
    الصمتُ - مبتسمين - لتأنيب أمكما..
    وكأنكما
    ما تزالان طفلين!
    تلك الطمأنينة الأبدية بينكما:
    أنَّ سيفانِ سيفَكَ..
    صوتانِ صوتَكَ
    أنك إن متَّ:
    للبيت ربٌّ
    وللطفل أبْ
    هل يصير دمي -بين عينيك- ماءً؟
    أتنسى ردائي الملطَّخَ بالدماء..
    تلبس -فوق دمائي- ثيابًا مطرَّزَةً بالقصب؟
    إنها الحربُ!
    قد تثقل القلبَ..
    لكن خلفك عار العرب
    لا تصالحْ..
    ولا تتوخَّ الهرب!
     (2)
   
لا تصالح على الدم.. حتى بدم!
    لا تصالح! ولو قيل رأس برأسٍ
    أكلُّ الرؤوس سواءٌ؟
    أقلب الغريب كقلب أخيك؟!
    أعيناه عينا أخيك؟!
    وهل تتساوى يدٌ.. سيفها كان لك
    بيدٍ سيفها أثْكَلك؟
    سيقولون:
    جئناك كي تحقن الدم..
    جئناك. كن -يا أمير- الحكم
    سيقولون:
    ها نحن أبناء عم.
    قل لهم: إنهم لم يراعوا العمومة فيمن هلك
    واغرس السيفَ في جبهة الصحراء
    إلى أن يجيب العدم
    إنني كنت لك
    فارسًا،
    وأخًا،
    وأبًا،
    ومَلِك!
     (3)
   
لا تصالح ..
    ولو حرمتك الرقاد
    صرخاتُ الندامة
    وتذكَّر..
     (إذا لان قلبك للنسوة اللابسات السواد ولأطفالهن الذين تخاصمهم الابتسامة)
    أن بنتَ أخيك "اليمامة"
    زهرةٌ تتسربل -في سنوات الصبا-
    بثياب الحداد
    كنتُ، إن عدتُ:
    تعدو على دَرَجِ القصر،
    تمسك ساقيَّ عند نزولي..
    فأرفعها -وهي ضاحكةٌ-
    فوق ظهر الجواد
    ها هي الآن.. صامتةٌ
    حرمتها يدُ الغدر:
    من كلمات أبيها،
    ارتداءِ الثياب الجديدةِ
    من أن يكون لها -ذات يوم- أخٌ!
    من أبٍ يتبسَّم في عرسها..
    وتعود إليه إذا الزوجُ أغضبها..
    وإذا زارها.. يتسابق أحفادُه نحو أحضانه،
    لينالوا الهدايا..
    ويلهوا بلحيته (وهو مستسلمٌ)
    ويشدُّوا العمامة..
    لا تصالح!
    فما ذنب تلك اليمامة
    لترى العشَّ محترقًا.. فجأةً،
    وهي تجلس فوق الرماد؟!
     (4)
   
لا تصالح
    ولو توَّجوك بتاج الإمارة
    كيف تخطو على جثة ابن أبيكَ..؟
    وكيف تصير المليكَ..
    على أوجهِ البهجة المستعارة؟
    كيف تنظر في يد من صافحوك..
    فلا تبصر الدم..
    في كل كف؟
    إن سهمًا أتاني من الخلف..
    سوف يجيئك من ألف خلف
    فالدم -الآن- صار وسامًا وشارة
    لا تصالح،
    ولو توَّجوك بتاج الإمارة
    إن عرشَك: سيفٌ
    وسيفك: زيفٌ
    إذا لم تزنْ -بذؤابته- لحظاتِ الشرف
    واستطبت- الترف
     (5)
   
لا تصالح
    ولو قال من مال عند الصدامْ
    ".. ما بنا طاقة لامتشاق الحسام.."
    عندما يملأ الحق قلبك:
    تندلع النار إن تتنفَّسْ
    ولسانُ الخيانة يخرس
    لا تصالح
    ولو قيل ما قيل من كلمات السلام
    كيف تستنشق الرئتان النسيم المدنَّس؟
    كيف تنظر في عيني امرأة..
    أنت تعرف أنك لا تستطيع حمايتها؟
    كيف تصبح فارسها في الغرام؟
    كيف ترجو غدًا.. لوليد ينام
    -كيف تحلم أو تتغنى بمستقبلٍ لغلام
    وهو يكبر -بين يديك- بقلب مُنكَّس؟
    لا تصالح
    ولا تقتسم مع من قتلوك الطعام
    وارْوِ قلبك بالدم..
    واروِ التراب المقدَّس..
    واروِ أسلافَكَ الراقدين..
    إلى أن تردَّ عليك العظام!
     (6)
   
لا تصالح
    ولو ناشدتك القبيلة
    باسم حزن "الجليلة"
    أن تسوق الدهاءَ
    وتُبدي -لمن قصدوك- القبول
    سيقولون:
    ها أنت تطلب ثأرًا يطول
    فخذ -الآن- ما تستطيع:
    قليلاً من الحق..
    في هذه السنوات القليلة
    إنه ليس ثأرك وحدك،
    لكنه ثأر جيلٍ فجيل
    وغدًا..
    سوف يولد من يلبس الدرع كاملةً،
    يوقد النار شاملةً،
    يطلب الثأرَ،
    يستولد الحقَّ،
    من أَضْلُع المستحيل
    لا تصالح
    ولو قيل إن التصالح حيلة
    إنه الثأرُ
    تبهتُ شعلته في الضلوع..
    إذا ما توالت عليها الفصول..
    ثم تبقى يد العار مرسومة (بأصابعها الخمس)
    فوق الجباهِ الذليلة!
     (7)
   
لا تصالحْ، ولو حذَّرتْك النجوم
    ورمى لك كهَّانُها بالنبأ..
    كنت أغفر لو أنني متُّ..
    ما بين خيط الصواب وخيط الخطأ.
    لم أكن غازيًا،
    لم أكن أتسلل قرب مضاربهم
    أو أحوم وراء التخوم
    لم أمد يدًا لثمار الكروم
    أرض بستانِهم لم أطأ
    لم يصح قاتلي بي: "انتبه"!
    كان يمشي معي..
    ثم صافحني..
    ثم سار قليلاً
    ولكنه في الغصون اختبأ!
    فجأةً:
    ثقبتني قشعريرة بين ضعلين..
    واهتزَّ قلبي -كفقاعة- وانفثأ!
    وتحاملتُ، حتى احتملت على ساعديَّ
    فرأيتُ: ابن عمي الزنيم
    واقفًا يتشفَّى بوجه لئيم
    لم يكن في يدي حربةٌ
    أو سلاح قديم،
    لم يكن غير غيظي الذي يتشكَّى الظمأ
     (8)
   
لا تصالحُ..
    إلى أن يعود الوجود لدورته الدائرة:
    النجوم.. لميقاتها
    والطيور.. لأصواتها
    والرمال.. لذراتها
    والقتيل لطفلته الناظرة
    كل شيء تحطم في لحظة عابرة:
    الصبا - بهجةُ الأهل - صوتُ الحصان - التعرفُ بالضيف - همهمةُ القلب حين يرى برعماً في الحديقة يذوي - الصلاةُ لكي ينزل المطر الموسميُّ - مراوغة القلب حين يرى طائر الموتِ

    وهو يرفرف فوق المبارزة الكاسرة
    كلُّ شيءٍ تحطَّم في نزوةٍ فاجرة
    والذي اغتالني: ليس ربًا..
    ليقتلني بمشيئته
    ليس أنبل مني.. ليقتلني بسكينته
    ليس أمهر مني.. ليقتلني باستدارتِهِ الماكرة
    لا تصالحْ
    فما الصلح إلا معاهدةٌ بين ندَّينْ..
     (في شرف القلب)
    لا تُنتقَصْ
    والذي اغتالني مَحضُ لصْ
    سرق الأرض من بين عينيَّ
    والصمت يطلقُ ضحكته الساخرة!
     (9)
   
لا تصالح
    فليس سوى أن تريد
    أنت فارسُ هذا الزمان الوحيد
    وسواك.. المسوخ!
     (10)
   
لا تصالحْ
    لا تصالحْ

 

     الأدلّـة !


شعر/ أحمد مطر

   
 

   الموتُ لَهُ بالمِرصـادْ :
    هَـدأةُ فَـخٍّ ،
    رَعْشَـةُ حَبْـلٍ ،
    شَهْقَةُ قَوسٍ ،
    رَعْـدُ زِنـادْ .
    إن طارَ إلى أعلى جَبَـلٍ
    أو غارَ إلى أسـفَلِ وادْ
    سَـوفَ يُبـادْ .
             **
    - هُـوَ شُـوهِدَ يَلتَقِطُ الزّادْ !
    - ويَطيـرُ إلى حيثُ أرادْ !
    - وَيَحُـطُّ لِيَنظِـمَ أعشاشـًا !
    - ويُمارِسُ فَـنَّ الإنشـادْ !
    كُـلُّ أفاعيـلِ العُصفـورْ
    شـاهِدَةٌ أنَّ المَذكـورْ
    قـامَ بإرهـابِ الصَيَّـادْ !
            **
    أيُّ بِـلادْ
    تَجـرؤُ أن تَضَـعَ الأصفـادْ
    أو تَنفـيَ جُـرْمَ الإفسـادْ
    عَـن مُتَّهَمٍ بِبَـراءتِه
    في هـذا الزّمَـنِ القَـوّادْ ؟!

شباب الإسلام

 شعر/ هاشم الرفاعي 

 القصيدة التي أبدعها الشاعر الشهيد هاشم الرفاعي لتصبح نشيدا يردده الشباب المسلم في كل مكان ، وقد صدح بها المطرب السوري أبو مازن - رضي الله عنهم أجمعين.

 
مَـلـكنـا  هـذهِ الدنيا قُرونـاً
وأخـضَـعَها جدودٌ iiخالـدونـا
وسـطَّـرنـا  صحائفَ من ضياءٍ
فـمـا  نسيَ  الزمانُ ولا iiنسينـا
حـمـلنـاهـا سيوفاً iiلامعـاتٍ
غـداةَ  الـروعِ تـأبـى أنْ iiتلينا
إذا خـرجَـتْ مـن الأغمادِ يوماً
رأيـتَ الـهـولَ والفتحَ iiالمبينـا
وكـنُّـا  حـيـنَ يرمينـا iiأناسٌ
نُـؤدِّبـهـمْ أبـاةً iiقـادريـنـا
وكـنَّـا  حـيـنَ  يأخُذنـا ولي
بـطـغـيانٍ ندوسُ لـهُ iiالجبينـا
تـفـيـضُ  قُلوبُنا بالهديِ iiبأسـاً
فـمـا نُـغضي عن الظلمِ iiالجُفونا
ومـا  فـتـئَ الزمانُ يدور iiحتى
مـضـى  بـالمجدِ  قومٌ iiآخرونـا
وأصـبحَ لا يُرى في الركبِ iiقومي
وقـد  عـاشـوا أئِـمَّتَهُ سنينـا
وآلـمـنـي وآلـمَ كـلِّ حـرٍّ
سـؤالُ  الـدهرِ: أين المسلمونا ii؟
تُـرى  هـل يـرجـعُ الماضي ii؟
فـإنـي أذوبُ لذلكَ الماضي حنينا
بَـنَينا  حقبةً فـي الأرض iiمُلكـاً
يـدعِّـمـهُ شـبـابٌ طامحُونـا
شـبـابٌ  ذَلَّـلوا  سُبـلَ iiالمَعالي
ومـا  عَـرفوا سوى الإسلامِ iiدينا
تَـعَهَّدَهـمْ فـأنبتهمْ نباتـاً كريماً
طـابَ  فـي الـدنـيـا iiغَصونا
هـمُ وردوا الـحـياضَ مباركاتٍ
فـسـالتْ  عندَهمْ مـاءً iiمَعـينا
إذا  شـهِـدوا الوغى كانوا iiكُماةً
يـدكُّـونَ الـمـعاقلَ iiوالحُصونا
وإنْ جـنَّ الـمـسـاءُ فلا تراهم
مـن  الإشـفـاقِ إلا ساجِدينـا
شـبـابٌ  لـمْ  تُـحطِّمهُ iiالليالي
ولـمْ يُـسـلِمْ إلى الخصمِ iiالعرينا
ولـم تـشـهدُهُمُ الأقداحُ يـوماً
وقـد مـلأوا نـواديـهم iiمُجونا
ومـا عـرفـوا الأغـاني iiمائعاتٍ
ولـكـنَّ الـعُـلا صِيغَتْ iiلُحونا
وقـد دانـوا بـأعـظَمِهِمْ نِضالا
وعـلـمًا،  لا  بـأجرِئِهمْ iiعيونا!
فـيـتَّـحدونَ  أخـلاقاً عِـذاباً
ويـأتـلـفُـون  مُجتمعـاً رزينا
فـمـا  عَـرَفَ  الخلاعَةَ في بناتٍ
ولا عَـرَف الـتـخـنُّثَ في بنينا
ولـم  يـتـشدَّقوا بقـشورِ علمٍ
ولـمْ  يـتـقيّبوا  فـي iiالمُلحدينا
ولـم يـتـبـجحوا في كلِّ أمـرٍ
خـطـيـرٍ كـيْ يقـالَ مثقفونا
كـذلـكَ  أخرجَ  الإسلامُ iiقومي
شـبـابـاً مُخلصاً حـرًّا iiأمـينا
وعـلَّـمـهُ الـكرامةَ كيف iiتُبنى
فـيـأبـى  أنْ يُقَّيدَ أو iiيـهونـا
دعـونـي  مـن أمـانٍ كاذباتٍ
فـلـم أجـدِ الـمُنى إلا ظُنونـا
وهـاتـوا لـي مـنَ الإيمانِ iiنوراً
وقَـوُّوا  بـيـنَ جـنبيَّ iiاليَقينـا
أمُـدُّ يـدي فـأنـتزعُ iiالرواسي
وأبـنِِ الـمـجـدَ مؤتلقاً مكينـا

 

حديث عصري إلى أبي أيوب الأنصاري

 شعر / أ.د: جابر قميحة

"ظل الصحابي الجليل أبو أيوب الأنصاري - رضي الله عنه - يجاهد في سبيل الله إلى أن دفن في استانبول . وقد ألقيتُ هذه القصيدة يوم 25/8/1993م في مؤتمر رابطة الأدب الإسلامي العالمية المنعقد في استانبول" بتركيا.

يـا  أبـا أيـوبَ والإسـلامُ قُـرْبـى iiوانْتسابُ
قـد أتـيـنـاك فـفـي الـلُّقيا اغتنامٌ 
iiواكتسابُ
نـتـمـلَّـى  أرض مـجدٍ يزدهي فيها 
iiالخطابُ
يـا  كـريمًا ضافَ خيرَ الرُّسْل، يا طِبْتَ وطابوا
نـاخـت  القصواءُ   في رحبك يا نِعْمَ 
iiالرحابُ
قـد قـصـدنـاك ضـيوفًا ولنا فيكمْ   رغابُ
نـيِّـراتُ الـقـصْـدِ لا مـنها طعامٌ أو 
iiشرابُ
أو هـوى لـيـلـى ولُـبْنَى، أو سعادٌ أو 
iiرَبابُ
إنـمـا  جـئـنـاك تـحـدُونا بطولاتٌ 
iiعُجابُ
ذكـريـاتٌ فـي فـمِ الـدنيا هي المسْكُ 
iiالمذَابُ
حين  كنتم بلْسمًا
    في  السلم  صَفْوًا  لا  iiيُشابُ
ولـكـم  فـي سـاحـةِ الـنـور بـنودٌ وقبابُ
وقـلـوبٌ  مـلْـؤهـا الـرحمةُ والحبُّ 
iiاللبابُ
***

فـإذا  مـا ظُـلِمَ البُرْهانُ أو غِيلَ     iiالصوابُ
هِـجْـتُـمُ الـهْـولَ، فَـلـلْـهولِ زفيرٌ 
iiولُهابُ
وإذا أنـتـم - حُـمـاةَ الـحـقِّ- آسادٌ غضابُ
رفـرفـتْ من فوقهمْ في  ساحةِ  الهول 
I iالعُقَابُ
وخـيـولُ الله تـمضِي، فهْيَ في السَّاحِ 
iiالجَوابُ
مـثـلما  السيلُ، لها في الحَزْنِ والسَّهْل 
iiانصبابُ
ولـهـا فـي سـاحـةِ الـنـصر ذهابٌ 
iiوإيابُ
وضُـبـاحٌ وصـهـيـلٌ، وصـلـيلٌ 
iiوضِرابُ
وحِـرابٌ  سـاعـراتٌ، فَـلْـتَـقُولي يا 
iiحِرابُ
وسـيـوفٌ، وحـتـوفٌ، وزحوفٌ، لا 
iiانسحابُ
وهـتـافُ  الـعـزةِ الـقَـعْساءِ يحدُوه السحابُ
والـمـنـايـا- لا الدنايا- هي للصَّحْبِ 
iiالطِّلابُ
خـالـدٌ فـيـهـم، وسـعـدٌ، والمثنَّى 
iiوالحُبَابُ
مِـنْ  دمـاهُمْ في نواصي الخيل عطرٌ 
iiوخِضابُ
لـم يـكـونـوا كجيوشٍ قطعوا الأرضَ 
iiوجابوا
مـا  هُـمُـو إلا شُـمُـوسٌ زاحفاتٌ أو 
iiهِضابُ
لـيـس يـثـنـيهمْ عن الزحفِ جبالٌ أو 
iiعُبابُ
فـهُـمُـو  لـلـمـوت هَـبُّوا، ونِدا الله 
iiأجابُوا
يـوم دكُّـوا الـفـرسَ والرومَ وما هانُوا 
iiوهابوا
فـإذا  الأعـداءُ - مـن رُعْـبٍ هباءٌ أو 
iiسرابُ
إنـه  الـمـسـلـمُ حـقًّـا سيفُ حقٍّ أو شِهابُ
فـي سـبـيـل الله يـحـيـا، لا نفاقٌ لا كِذابُ
مـصـحـفٌ  يـمشي , عليه من تقى الله 
iiثيابُ
سـيـفُـهُ  إن يَـبـغِ بـاغٍ هـو للباغي 
iiعِتابُ
هـكـذا  كـنـتـم - أبا أيوبَ والغرُّ 
iiالصحابُ
دررًا زانـتْ جـبـيـنَ الـدهْـرَ شِيبٌ وشبابُ
شـابَ فَـوْداكَ مـن الدهر وما في الشيبِ 
iiعابُ
لـم يـكـن يُـحْـسَـبُ بالسنِّ مشيبٌ أو 
iiشبابُ
لـيـسَ  بـالـشبانِ من هانُوا إذا حطَّت صِعابُ
وإذا الـشـيـخُ تـجلى فهْو في الحرب 
iiالشهابُ
ثـم طـال الأمـدُ الـمـنـكـودُ واهتزَّ الجَنَابُ
وغـدا  بـيـنَ قـلـوبِ الـقوم والدين 
iiحجابُ
ثـم  حـل الـوهْـنُ فـيهم وهوى الدنيا 
iiطلابُ
***

ثـم  جـئـنـاكَ ولـلـشـعـرِ نشيجٌ وانْتحابُ
بـقـلـوبٍ دامـيـاتٍ بـعْـدَ أن جلَّ 
iiالمُصابُ
مـن ديـار قـد تـغـشـاهـا ظـلامٌ 
iiوضَبَابُ
فـالـقـوانـيـنُ  انـتـهاكٌ وانتهاشٌ 
iiوانتهابُ
وسـجـونٌ وشـجـونٌ ودمـوعٌ واغـتـصابُ
وأنـا الـمـسْـلِمَ في أرضي لِيَ العُقبى 
iiاغترابُ
لـم يَـعُـد لـلـبـلبُلِ الغرِّيدِ في الدوْحِ 
iiرحابُ
واسـتـقـرتْ  فـي رحابِ الدوح بُومٌ 
iiوغرابُ
صَـوْتُـهُ فـيـهِ نـعـيـبٌ ونـعيقٌ 
iiمستطابُ
وعـلـى الـبُـلـبـلِ أن يمضي يُغَشِّيه 
iiالعذابُ
شـاردَ الـخطو، حبيسَ الشجْوِ تَقْلِيه   
iiالشعابُ
ويـنـادي  الأُفْـقَ : هـل للفجر من ليْلِكَ بابُ؟
فـإذا الأصـداءُ هـمٌّ وضـيـاعٌ 
iiواكـتِـئـابُ
إنـه لـيـلٌ كـثـيـفٌ مُجرمُ الظُّلْمَاتِ.. 
iiغابُ
ذو  عُـيـونٍ راصـداتٍ شَـرعُـها ظُفْرٌ 
iiونابُ
قُـوتُـهـا  الأعْـراضُ، أمَّـا دَمُنَا فَهْوَ 
iiالشرابُ
وبّـخـورُ الـزيـفِ دِيـنٌ والـنـفاقاتُ 
iiكتابُ
والـمـروءاتُ خـطـايـا، والـنَّذالات 
iiصوابُ
ويْـحَ قـلـبي - يا أبا أيوبَ - قد جُنَّ الحسابُ:
ألـفُ مـلـيـون بـلا قـدْرٍ ولا حتى الذبابُ!!
بـل غُـثـاءٌ كـغُـثـاءِ الـسـيْلِ بالنفخِ يُذابُ
وقـلـوبٌ مـن هـواء وحـنـايـاهُـمْ 
iiخرابُ
يـسـتـوي  مـنهم حُضورٌ في حماها أو 
iiغيابُ
لا  تـسَـلْـهُمْ عن غِضابٍ، لم يَعُدْ فيهم 
iiغضابُ
لا تَسِلْهُم عن عُضاب، ماتَ في الغِمْدِ   العُضابُ
والـخـيـولُ  الـجـردُ نامتْ في مآقيها 
iiالذبابُ
غـابـت  الـصَّـهْـوَاتُ منها وتغشاها 
iiالتُرابُ
أَنـعَـاجٌ  مـا أرى في  الساحِ  أمْ خيْلٌ  عِرابُ
أيـن سُـوَّاسُـك يـا من كنتِ في الهولِ 
iiتُهابُ؟
قـال ثـأرُ الله "لا تـسـألْ، فـقـد وَلًَّوا 
iiوذابوا
يـا لَـقَـومـي عن جهاد القوم قد صامُوا 
iiوتابوا
وأطـاعُـوا  مـن أضـلُّـوهم وأَغْروْهُمْ 
iiفخابُوا
"وأعِـدُّوا مـا اسـتـطـعـتم" قد تولاها ال